أجوبة من ملوك العرب على أسئلة القارئ
أمين ألبرت الريحاني
منذ فجر رحلته العربية واجه الريحاني العديد من الأسئلة التي تراكمت لتترك بعض الشكوك وبعض علاماتِ الاستفهام والغموض المحيطِ بتفاصيل تلك الرحلة وأدبياتِها ومواقفِها. لذا سأحاول في ختام هذه الندوة أن أزيلَ بعضَ الغموض طلبًا للحقيقة التي تبقى متجليةً واضحة مشرقة لمزيد من فهمِ المؤلف وفهمِ مقاصدِه وأهدافِه.
واخترتُ بعضَ تلك الأسئلة لأبحثً عن الأجوبة الصحيحةِ والمقنعة لها لأن احنرامَ الفكر لا يتمُّ إلا بإيضاحِهِ وجلاءِ منطوياتِه ومكنوناتِه الباطنةِ والظاهرةِ على السواء.
يسألُ القارئُ أولًا عن تصنيفِ كتاب ملوك العرب: هل هو كتاب من الكُتُبِ الأدبية التي تُعنى بجمال اللغة وبلاغتِها وبيانِها وفصاحتِها أم هو من الكُتُبِ السياسية التي تهتم بالشأن العام وبالشأن الوطني والقومي والنهضوي خدمة لتقدّم الشعوب والأمم؟
الجواب: تُفيدُ مراجعةُ ملوكِ العرب بأن 47 % من فصوله تُعالجُ الشأن السياسي الطامح إلى سبُل التقدم ِوالازدهار، تطبيقًا لمبادىء الحرية والعدالة والأخوة والسلام والازدهار، وصولًا إلى مزيدٍ من التفاهم والتعاون بين الشعوب والأمم والحُكّام... و17 % من فصوله تعالج المواضيع الاجتماعية والإنسانيّة على اختلاف مستوياتها وأنواعها، أما السبيلُ إلى لفت انتباه القارىء بأسلوبٍ أدبي جذاب وبأحاديثَ عفويةٍ صافيةٍ سليمة، وبلغة راقيةٍ رفيعةِ البلاغة والبيان... فقد بلغت نسبتُها 35 % من مجمل النص الكامل في الكتاب. وعليه، فإن تصنيف كتاب ملوك العرب ضمن أدب الرحلة فهو من باب الخطأ الشائع، والصحيح أنّه كتابٌ سياسي بامتياز، يحمِل مشروعًا عربيًّا مُستقبليًّا ناقشه المؤلفُ مع الحكام العرب الذين اجتمع بهم، خلال رحلته العربيّة وعددُهم سبعةُ حكّام. وهذا لا يعني أنه لا يجوز أن ندرس ونناقش كتاب ملوك العرب على المستوى الأدبي، بل يعني أن أية دراسةٍ لهذا الكتاب تُهمِلُ الشقَ السياسي منه تكون دراسة ناقصة.
ويسألُ القارئُ عن أهداف تلك الرحلة؟ الجواب يمكنُ حصرُه يثلاث نقاط كما جاء على لسان المؤلف:
- التعرُّف على ملوك العرب وحُكّامِهم شخصيا، فيصبحُ الحاكم بمثابة المصدرِ الأول، بل المصدرِ المباشر لما يقولُه المؤلف.
- تعزيز وحدة الكلمة العربية ووحدة الصف العربي.
- هذا النوع من التعرّف المباشر والمقابلات المباشرة تجعلُ المؤلفُ مؤهلًا وجاهزًا لوضع مؤلّفاته عن ملوك العرب وعن البلدان العربية لأنه يعود بذلك إلى المصادر الحيّة والمصادر الأولى في مثل هذه المؤلفات السياسية.
- يبقى الهدف الرابع الذي كتَبَ عنه بالإنكليزيّة أكثر من العربيّة، وهو العلاقة بين النزاعات القوميّة عند الشعوب وسعيُها إلى التطور البشري والإنساني.
ويسأل القارئ عمن كان وراء تلك الرحلة؟ هل هم الأميركيون أم الإنكليز أم الفرنسيون؟ يجيب الريحاني ساخرًا: بل هم أهم من هؤلاء جميعًا:
مَن كان وراء رحلتي هو بطلُ روايتي خالد وأحلامُه حول الامبراطوريّة والحريّة والديمقراطيّة والعدالة. مَن كان وراء رحلتي هو التفكير بالمدينة العُظمى كما فصَّلتُها في كتاب الريحانيّات. هذا على الصعيد الفكري، أمّا على الصعيد المادي فالجواب يَرِدُ في رسالة إلى شقيقه يوسف في 24 آب 1921 حول استعداده لبيع أسهمه المصرفية لتمويل الريحلة. وفي رسالة إلى زوجته برثا في 20 أيلول 1921 يخبرها عن تحوبا مدخوله من شركة العائلة لتمويل الرحلة.[1] نستنتج من ذلك أن الريحاني هو الذي مَوّل رحلته العربية من جيبه الخاص.
ويسألُ القارئ لماذا لم يكتب الريحاني عن مصر في كتابه ملوك العرب؟ أو في كتاب مستقل ضمن سلسلة مؤلّفاته عن العرب آنذاك؟
يأتي الجواب من خلال ما قاله الريحاني في قصيدته "إبنة فرعون" ومن خلال ما ذكره في قصيدته "على رمل الإسكندريّة"، والقصيدتان منشورتان في مجموعته الشعريّة هُتاف الأودية، حيث يرى مصر "أحدث الشرقيات الناهضة"، والأرجح أنه اعتبر أن هذه الدولة العربية لكونها "الأحدث" ولكونها الأكثر نهوضًا هي المؤهلة أكثر من سواها لتزعم حركة وحدة الصف العربي.
وأغلبُ الظن أن الريحاني لم يقرر عدَمَ الكتابة عن مصر ضمن مشروعه العربي، بل أجّل هذا القرار ريثما ينتهي من تآليفه الأخرى عن العرب. وفي العام 1933 تلقى دعوة من الجامعة الأميركية في القاهرة لإلقاء سلسلة من المحاضرات حول "الجذور الثقافية لمصر الحديثة"، لكن ارتباطه بسلسلةِ محاضراته الأميركية حالت دون ذلك.
ويسأل القارى عن سبب نظرة الريحاني للملك عبد العزيز بأنه مسكُ الختام في رحلته العربية؟ فيجيب الريحاني:
"جئتُ ابنَ سعود والقلبُ فارغٌ من البُغض ومن الحُب كما قلتُ له، فلا رأيَ الإنكليز، ولا رأيَ الحجاز، ولا الثناءَ، ولا المطاعنَ، أثَّرَت فيَّ. وها قد ملأ القلبَ حُبًّا من أوّل جلسةٍ جلسناها. وصِرْتُ أركُنُ إلى ما كانت تشعُرُ به النفسُ في المقابلة الأولى. إني سعيدٌ لأنني زُرتُ ابنَ سعود بعدَ زيارتي ]لسائر[الملوك. هو حقًا مسكُ الختام.
ويسأل القارئ عن معنى حداثة العروبة التي تحدّثَ عنها الريحاني في مشروعه العربي؟
مَن يراجع ملوك العرب، ومقدمات قلب العراق، وفيصل الأوّل، ووالنغرب الأقصى، ومقالته المطوّلة بعنوان "في روح العروبة"، يتضح له ان هذا الكاتب يعالجُ مشروعَهُ العربي من زاويةٍ نهضوية معاصرة، مستمدة من روح "المدينة العُظمَى" التي أطلقها خالد منذ العام 1911، ونفخَ فيها روحَ الحريّة والعدالة، والمساواة، روحَ النهضة والعُمران والثقافة الفلسفية والأدبيّة المعاصرة التي لامسَها وعايشَها في كلٍّ مِن نيويورك، وباريس، ولندن، ومدريد، وفيينا، وزوريخ وسواها من العواصم العواصي التي أخذَت تنبُتُ زهرةُ مدائنِها اليوم، وبعدَ مئة عام من تاريخ رحلة الريحاني العربية، تنبُتُ في كلًّ مِن دبي والرياض والدوحة وأبي ظبي، والكويت والعُلا، مبَشِّرةً بفجرٍ جديد كما حلُم به الريحاني وسعَى إلى تحقيقِه.
ويسأل القارىء عن موقف الصِحافة الغربيّة من مؤلّفات الريحاني الإنكليزيّة عن العرب؟ من أولى المواقف ما ذكرته صحيفة اللندن تايمز في 9 آذار 1928، أي منذ 97، (سبعة ونسعين عامًا بالتمام والكمال) قالت: "لقد كان من حسن الحظ أن يختار الريحاني اللحظة الحالية لتأليف كتابه المفيد للغاية عن الملك الوهابي وشعبه... لقد اكتسب الريحاني، في وقتٍ مُبكر صداقةَ الملك الوهابي وثقتَه بغرَض الترويج لنظريتِه حول الوحدة العربيّة."
ويذهبُ الكاتب دنيس روس في صحيفة الأوبزرفر للتوغل في خصائص الريحاني حول كتابه بعنوان إبن سعود، شعبُهُ وبلادُه، خاصّةَ الاتجاه السياسي، وخاصّةَ الاتجاه التاريخي. "فَلِأوّلِ مرّةٍ يكتُبُ لنا كاتبٌ عربي بالإنكليزيّة، إذ لم يسبِقْهُ أحدٌ من الكُتّاب على الدفة والموضوعيّة التي اتّسَمَ بها قلَمُه. "
ويؤيّد الملحق الأدبي لصحيفة اللندن تايمز، على ما ورد في مقال دنيس روس لجهة "دقة الوصف والإيضاحات الراقية لشرائح مختلفة من العرب وجيرانهم باللغة الإنكليزيّة." (15 آذار 1928)
ويرى الكاتب وليم بي سيبروك في صحيفة النيو يورك هارولد تريبيون، بما يشبه الاعتراف، في 6 ايّار 1928، أن" قراءتي لأمين الريحاني قد أنستني أحكامي المسبقة، أما غَيرتي منه فتعود إلى كونه تَمَكّنَ من دخول العديد من المناطق النائية في شبه الجزيرة العربية، والتي كانت محظورة على سواه."
وتأتي صحيفة النيويورك تايمز بمقالةٍ للكاتب بي. دَبليو وِلسون، لتتوج الموقف الإيجابي كم مؤلّفات الريحاني الأنكليزيّة حيث يقول وِلسون "إن من حظِّنا الكبير أن نكتشفَ مع الريحاني رأيَ الشرقي نفسِهِ في شؤون الشرق وشجونِه." (13 أيّار 1928).
ويسأل القارئ عما قصدته صحيفة المانشستر غارديان في 29 أيلول 1930 حين ذكرَت أن أمين الريحاني نصّب نفسه مُبَشِّرًا للحضارة الإنسانيّة وليس مبعوثًا لأية قوّةٍ في العالم."
ونشير هنا تأكيدًا لما ذكَرَتْه صحيفةُ المانشستر غارديان ان الحكومة البريطانيّة، على نقيض الصحافة الإنكليزيّة، وقفت موقفًا مُعاديًا للريحاني في رحلتِه العربيّة، إلى درجة أنّ وزارة الخارجية البريطانيّة كانت تعارض، بل تعرقل، مسار تلك الرحلة حيثما استطاعت. وكان رجال السلك الدبلوماسي في لندن يتتبعون تفاصيل تلك الرحلة بكل اهتمام. وهذا ما أشار إليه الريحاني حبن عَلِمَ أنّ غارترود بِل، أمينة سرّ السير بيرسي كوكس، تعرف الشاردة والواردة، وكل التفاصيل الصغيرة والكبيرة، في رحلته العربيّة، على نقيض الأميركيين الذين لم يُبدو أيَّ اهتمام برحلته السياسيّة تلك لأنهم لم يكونوا مُهتمِّين بالعالم العربي آنذاك. أما الفرنسيون فكانوا يراقبون من بعيد دون تسجيل موقفٍ سلبي أو إبجابي من رحلة الريحاني العربية ومشروعه السياسي العربي.
_____________________________________________________________
كلمة د. زهيدة درويش جبور
أود بداية أن أتوجه بالشكر لمنظمي هذه الندوة وللحركة الثقافة في أنطلياس التي دأبت منذ خمسة عقود أو أكثر على بذل الجهود لنشر الوعي الثقافي والمواطني في هذا البلد الذي لا يزال القاطنون فيه يحلمون بالخروج من وضعية الجماعات والطوائف لينصهروا في شعب واحد وأمة متماسكة. بالمناسبة وبالحديث عن الإنصهار الوطني حضر إلى ذاكرتي وأنا أعد هذه الورقة المؤتمر الذي دعت إليه الحركة في عز الحرب الأهلية تحت عنوان "الإنصهار الوطني" وشارك فيه عدد من المثقفين الوطنيين المستقلين وشرفني أن أكون في عدادهم، وها نحن اليوم في عود على بدء لا نزال نناضل معالحركة آملين أن نسهمفي إحداثإحداث التغييرالمنشود،خاصةً مع بداية عهد جديد واعد بإشراقةٍ جديدة في سماء الوطن.
ليس الاحتفال بمئوية كتاب ملوك العرب طقساً فولكلورياً بل إسهام متجدد في إيقاظ الوعي ونشر أفكار التحرر التي كان الريحاني واحداً من أهم المبشرين بها والعاملين لأجلها. والشكر كله للأديب والباحث، سليل العائلة الريحانية التي لا تزال تعطي للبنان شخصيات يعتز بها، إنه الدكتور أمين ألبرت الريحاني الذي يضع بين أيدينا هذا المؤلف الضخم الذي يكشف عن جهد غالباً ما يعجز عنه فرد واحد ويحتاج إلى فريق عمل بحثي رصين. ولا أخفيكم أنني لا أستسيغ الكتب التي يتجاوز عدد صفحاتها الثلاثمائة صفحة، إلا أنني وجدت في ثنايا هذا الكتاب الذي يتجاوز عدد صفحاته 550 صفحة، من المعلومات الغزيرة والمتنوعة ما شدني إلى قراءته من الجلدة إلى الجلدة، كما يقال.. وقد أحسن صاحبه اختيار العنوان: "صنوف الأدب في ملوك العرب"، هذا الكتاب حيث تتجلى مواهب أمين الريحاني المتعددة فهو المفكر النهضوي، والشاعر، والناثر، وكاتب الرحلة، والمؤرخ والسياسي والباحث الاجتماعي، واللغوي، أضف إلى ذلك مقاربة جديدة لأدبه تسلط الضوء على علاقة هذا الأدب بسيرة الكاتب كما بالسياق التاريخي والثقافي الذي نشأ فيه وتكشف عن ملامح شخصيته كما عن مكانته المهمة على الساحة الفكرية والسياسية في زمانه من خلال ثبت المراسلات المتبادلة بينه وبين كبار شخصيات عصره من حكام وملوك وأدباء ومفكرين ووجهاء سواء في العالم العربي أو في الغرب.
سأتناول سريعاً في ورقتي الجانب النهضوي في أدب الريحاني، كما يتجلى في النصوص والوثائق والأبحاث والمقالات التي كُتبت عنه ويعود الفضل في جمعها للدكتور أمين ألبرت الريحاني بين دفتي كتاب يشكل مرجعاً لكل من يسعى إلى تعميق معرفته بأدب وفكر أمين الريحاني.
نُشر كتاب "ملوك العرب" عام 1920، بُعيد نهاية الحرب العالمية الأولى وسقوط الإمبراطورية العثمانية، وبروز النزعة التحررية لدى شعوب المنطقة العربية التي كانت تسعى إلى الاستقلال في وقت اقتسمت القوى الكبرى الإرث العثماني وفرضت هيمنتها من خلال نظام الانتداب في المشرق ونظام الحماية في المغرب العربي. ولعل المسألتين الأهم اللتين طُرحتا في ذلك الوقت هما مسألة الهوية الجامعة التي كان يجب بلورة مفهومها بعد أن انتهى نظام الخلافة، ومسألة التحديث الفكري والاجتماعي للسير قدماً على طريق التقدم. وقد انقسم مفكرو النهضة إلى ثلاثة تيارات: تيار الإصلاح الديني الذي كان يسعى إلى التوفيق بين الدين والعلم، والتيار القومي الذي كان يبشر بالقومية العربية، والتيار القومي العلماني الذي كان يدعو إلى فصل الدين عن الدولة، والذي أزعم أن أمين الريحاني هو أفضل من يمثله نظراً لتطابق سيرته الحياتية مع الأفكار والطروحات التي دعا إليها، فالفكر عنده كان توأم العمل. يعود ذلك إلى الظروف التي أتاحت له اختبار الحداثة الغربية خلال السنوات التي عاشها في الولايات المتحدة والانخراط في عالم الفكر والثقافة والسياسة فيها، إضافةً إلى رحلاته المتعددة إلى أوروبا وقراءاته المتنوعة، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، ظلّ هذا المهاجر متجذراً في بيئته المشرقية، حاملاً لهموم قومه، منشغلاً باللغة العربية وثقافتها، مهجوساً بسؤال العروبة، وعاملاً بدأب على تحقيق الوحدة العربية، موظفاً علاقاته السياسية ومعارفه في سبيل تحقيق هذا الهدف. خير دليل على ذلك رحلته الى شبه الجزيرة العربية التي وثقّها كتاب "ملوك العرب"، وتصميمه على مقابلة حكامها من أمراء وسلاطين وملوك في محاولة للتقريب بينهم وصولاً إلى تحقيق الوحدة العربية المأمولة. وتجدر الإشارة إلى أنه اضطر إلى أن يطلب من أخيه سلفة مالية لتغطية تكاليف الرحلة، ما يشير إلى مدى قناعته بضرورتها وبهدفها الأسمى. لقد أصاب أمين ألبرت الريحاني حين اعتبر في مقدمة كتابه الجامع أن "ملوك العرب" هو فاتحة لمشروع عربي جديد، أو لمشروع تحديث العروبة والعمل على بث اليقظة العربية في أرجاء العالم العربي". وقد أدرك ذلك جيداً معاصرو أمين الريحاني، سواءً من كانوا في مواقع القرار، أو من المنشغلين بالشأن الثقافي والسياسي الذين احتفوا به وأثنوا على مشروعه في كتابات نثرية أو شعرية أو في خطب ألقيت في مناسبات، وثَّقها الكاتب بحنكة واستنطقها ليرصد فيها عبارات مفتاحية تعبر عن توجهات الريحاني وعن مشروعه الفكري والسياسي.
إن الأفكار التي دعا إليها الريحاني منذ مطلع القرن الماضي لا تزال تتمتع براهنية كبيرة وتلقى الترحيب لدى معظم المفكرين الحداثويين، ربما يعود ذلك إلى أننا لم نخرج بعد من سؤال النهضة، وإلى أن محاولات العديد من المفكرين التنويريين لتجديد الفكر والمجتمع العربي عجزت أن تجد ترجمة لها على مستوى الواقع. الريحاني لا يزال معاصراً ليس فقط لأنه رؤيوي بل لأن الزمن العربي لا يزال عموماً يدور حول نفسه. أكتفي للدلالة على نواحي التجديد في فكر الريحاني بالتوقف عند مفهومه للعروبة:
أسس الريحاني العروبة على مجموعة من القيم الأخلاقية والفكرية والاجتماعية أهمها: الحرية، العلم، العدل، التقدم وذلك انطلاقاً من رصده لواقع المجتمعات العربية وما تعاني به من مشكلات وتواجهه من تحديات، أو على العكس، ما تتمتع به من إمكانيات. واعتبر أن آفاتٍ ثلاث تواجه العروبة: العصبية القبلية التي تحول دون اتحاد العرب وقيام دولة عربية موحدة، والعصبية الطائفية التي تسهم في تفتيت المجتمعات العربية وتفسح المجال للقوى الأجنبية لبسط هيمنتها، وأخيراً الجهل والتخلف.
وقد حاول في مشروعه السياسي أن يتصدى لهذه المشكلات سواء من خلال كتابة المقالات وإلقاء المحاضرات وتأليف الكتب، أو بالممارسة العملية فمضى إلى الجزيرة العربية والتقى بأمرائها في اليمن والحجاز ونجد محاولاً تذليل العقد وحل الخلافات بينهم وإقناعهم بمشروع الوحدة العربية التي تضمن مصالحهم. فكان المفاوض الشريف، والسياسي المحنك، يقرب بين وجهات النظر المختلفة، ويدوّر الزوايا، كما يتبين من رسالة إلى الشريف حسين تتعلق بمعاهدة يعرضها عليه بعد أن تمت مناقشتها مع الإدريسي والإمام يحيي في اليمن والتي يأمل أن تكون معاهدة رباعية يوقع عليها كذلك سلطان نجد: "صاحب الجلالة العظمى، الشريف حسين، ملك الحجاز، أيده الله (...) إن في سيادة السيد الإدريسي قلباً كبيراً... وعنده لجلالتكم من الإخلاص ما لا غبار عليه... وقد أطلعني سيادته على نسختين من معاهدة أو تمهيد لمعاهدة كان النظر فيهما سابقاً مع السيد السقاف. فأضفنا فيهما الى المعاهدة التي كتبتها وعرضتها على سيادته... إني مقدم المعاهدة لجلالتكم يصحبها كتاب من سيادة الإمام يحي وآخر من السيد السنوسي. فعسى أن تنال إحسانكم فتوقعوها... لست أرى غير هذه الطريقة لتحقيق آمالنا في الوحدة العربية... وفقنا الله إلى عقد محالفة رباعية في الجزيرة قريباً".
أما الطائفية فقد اعتبرها بلية الوطن. وقد تطوّر موقفه من هذه المسألة من الدعوة الى "التساهل الديني"، وهذا موقف أخلاقي، في المرحلة الأولى من مسيرته، كما أوضح الدكتور أمين ألبرت الريحاني في بحثه، إلى موقف سياسي إذ دعا إلى فصل الدين عن الدولة فكان علمانياً قبل الأوان إذا ما اتفقنا مع الدكتور عصام خليفة على أن العلمانية ليست مرادفاً للإلحاد ولا هي معاداة للدين بل " حركة صراع تاريخي تسعى إلى تحرير المجتمع والدولة والثقافة من هيمنة الدين ورموزه ورجاله"، أن الدين هو علاقة خاصة بين الإنسان وربه. بهذا المعنى يعتبر أمين الريحاني علمانياً ليبرالياً بامتياز. آمن بالدولة المدنية التي تفصل بين الفضاءين الخاص والعام وتقوم على المواطنة لكي يتقدم الانتماء الوطني على الإنتماءات الفئوية والطائفية، بل كان من المشجعين على التزاوج بين الطوائف لدرجة اعتباره "الدواء الوحيد لكل آفاتنا الدينية والاجتماعية، بل هو إكسير حياتنا الجديدة". وقد ذهب في فكره التحديثي إلى الحض على تحرير النصوص الدينية المقدسة من سلطة القراءات الجامدة وإلى دراستها وفهمها على ضوء الإنسانيات وعلوم اللغة وتطور الفكر الإنساني. فتقدم بذلك على معاصريه واستبق بعض أعلام الفكر الإسلامي المعاصر من أمثال محمد شحرور، ومنذر يونس، والجابري، وأركون.
المشكلة الثالثة التي يتصدى لها الريحاني هي الجهل والتخلف، والتي لا يمكن معالجتها إلا من خلال التعليم والعمران والتنمية. في إحدى رسائله إلى الملك عبد العزيز يقترح عليه ربطته به خطة تحديثية من عشر نقاط أهمها: فتح المدارس الابتدائية في المدن، بناء أحواض بحنفيّات بإدارة مهندسين عرب، استحضار أطباء من سوريا أو مصر لفتح صيدليات ومستشفيات، مدّ أسلاك تلغراف تيسر التواصل بين المقاطعات الكبرى، فتح ميناء في القطيف، إرسال بعض الطلاب الى الكلية الأميركية في بيروت، إنشاء جريدة ولو أسبوعية، وينهي الرسالة بجملة معبرة: "أجل القوة والعدل أساس الملك، ولكن التعليم سياجه".
حاولت في هذه العجالة أن ألقي ضوءاً ولو خافتاً على كتاب جامع تتطلب الإحاطة بكل جوانبه وبالمعلومات الوفيرة التي يتضمنها عشرات الصفحات. فعذراً على التقصير المبرر بضيق الوقت.
________________________________
كلمة د. إيمان جرنيقة الكمالي
المقدمة :
عندما وصلني كتاب "صنوف الأدب في ملوك العرب" للكاتب أمين ألبرت الريحاني، وعند قراءتي الأولى له، شعرت وكأني أمام منجم ثمين يضم بين صفحاته الذهب والألماس والزمرد والياقوت. فالكتاب مليء بالرسائل والمقالات والمحاضراتوالمخطوطات والنصوص الشعرية والنثرية المتنوعة، ما جعلني أدرك بسرعة أنني أمام عمل أدبي فريد.
لكن سرعان ما تملكتني تساؤلات عدة حول كيفية جمع أمين ألبرت الريحاني لهذا الكم الكبير من الإبداعات في كتاب واحد. فكيف استطاع البرت أن يدمج في كتابه هذا ، على سبيل المثال لا الحصر ، رسالة كتبها الأمين باللغة الإنجليزية إلى زوجته برتا مع قصيدة للشاعر أحمد شوفي ؟ ، بعبارة اخرى، كيف جمع امين البرت الريحاني نصوصًا من مجالات متعددة تنتمي الى فترات زمنية متباعدة نسبيًا في كتابه " صنوف الادب في ملوك العرب" ؟
ما هدف ألبرت الريحاني من وراء هذا الكتاب؟
وماذا أضاف كتاب "صنوف الأدب في ملوك العرب" الى كتاب "ملوك العرب" النفيس ، و الى رؤيتنا لكاتبه أمين الريحاني ؟ وكيف يمكن قراءة وتوصيف مقاربة ألبرت لكتاب " ملوك العرب"؟
للإجابة على هذه الأسئلة، قسمنا الدراسة الى ثلاثة أقسام: في القسم الأول، عالجنا هيكلية الكتاب وابوابه ومحتوياته، و في القسم الثاتي، حللنا ماذا أضاف كتاب ألبرت لنا من معلومات وأفكار لم نكن نعرفها في كتاب الملوك، و خصصنا القسم الأخير لعرض الاستنتاجات التي تتعلق بمقاربة ألبرت لكتاب ملوك العرب.
1- هيكلية كتاب " صنوف الأدب في ملوك العرب": استعراض للابواب والمحتويات
عند قراءة الكتاب، يتبين أن البرت الريحاني قد قسم هذا العمل الأدبي الكبير إلى أربعة أبواب. الباب الأول، خصصه ألبرت للرسائل التي كتبها الريحاني خلال فترة ما بين تموز 1920 وحتى كانون الثاني 1927، حيث قسمها إلى اربعة أقسام رئيسية: الأولى هي رسائل ما قبل رحلته(من تموز 1920 إلى تشرين الثاني 1921) وتضمنت ثلاث رسائل باللغة العربية: اثنتان منهما للملك فيصل، ورسالة واحدة لصديقه محمد كرد علي. أما باللغة الإنجليزية، فقد كتب ثلاث رسائل لزوجته برتا، ورسالة إلى أخيه يوسف، ورسالة إلى وكيله الادبي "السيد أبي".، ثم الرسائل المواكبة لرحلتهوتنقلاته في الفترة من آذار 1922 إلى منتصف اذار 1923 وشملت الرسائل باللغة العربية ثلاث رسائل إلى الملك حسين، واثنتين إلى السلطان عبد العزيز، ورسالة إلى الإمام يحيى ملك اليمن. وباللغة الإنجليزية، تضمنت 18 رسالة إلى زوجته برتا، وثلاث رسائل إلى أخيه يوسف، ورسالة إلى الكاتب الأمريكي تشارلز كينيدي ، ورسالة إلى محرر صحيفة "نيويورك تايمز"، رالف غرايفز، ومن ثم فترة تاليف الكتابمن حزيران 1923 وحتى ايلول 1924 ، وتضمنت تضمنت الرسائل بالعربية ٤ رسائل إلى السلطان عبد العزيز، رسالة الى كل من الملك فيصل، الإمام يحي، السيد الادريسي، السلطان عبد المريم الفضل، الشيخ أحمد الجابر آل صباح، وصديقه محمد كرد علي. أما باللغة الإنجليزية، فكان هناك رسالتان إلى أخيه يوسف، ورسالة إلى السيد فارس الخوري ، وزير في سوريا ( 1944-1945) و السيد نيل. وأخيرًا الرسائل في مرحلة ما بعد تأليف الكتابالتي تمت بين ايلول 1924 و وحتى كانون الثاني 1927 وشملت ٣ رسائل الى السلطان عبد العزيز، رسالة الى كل من الامام يخي والملك فيصل والشيخ ابراهيم بن محمد آل خليفة ورسالتين الى امين البرت الريحاني؛ وباللغة الانكليزية فنفع عدى رسالة الى محرر في مجلة “ Medical Reviewفي الهند السيد رام نارايان، رسالتين الى السيد فروليك رئيس مجلة آسيا في نيويورك، الكاتب الالماني كاونت مولينين ، ورسالتين الى اخيه يوسف وبعض الاصدقاء .
و قدم ألبرت ايضا في هذا الفصل قائمة باللقاءات والاحتفالات التي أُقيمت لأمين الريحاني في كل من مصر والعراق والبحرين والكويت ولبنان، بالإضافة إلى تواريخ هامة تتعلق برحلة أمين الريحاني ومعلومات تفصيلية حول كتابه "ملوك العرب" والدراسات التي أُجريت حوله، وتواريخ تأليف الكتاب. وعرض أيضًا "ملوك العرب" بالأرقام، متناولًا أعمال الريحاني باللغة العربية والإنجليزية. وشمل هذا الباب بعض الرسومات التي أبدعها الريحاني بنفسه كفنان، بالإضافة إلى بطاقة دعوة لحضور حفلة تكريمه من أحمد زكي باشا، و مخطوطات أخرى ورسوم توضح الشخصيات التي رافقت الريحاني في رحلته، كقائد الفريق الذي سافر معه.
أما الباب الثاني ، فقد جمع فيه أمين البرت الريحاني نصوصًا نثرية وشعرية لعدد من الشعراء والأدباء من مصر ولبنان والعراق والكويت، الذين شاركوا في اللقاءات التكريمية، وخطاباتهم التي أُلقيت خلال تلك اللقاءات تكريمًا لأمين الريحاني في كل من العراق ولبنان ومصر والكويت والبحرين. كما تضمن هذا الباب بعض الخطب التي كان أمين الريحاني يلقيها في نهاية كل لقاء.
في الباب الثالث، قدم أمين الريحاني صورًا للمخطوطة الأصلية لكتاب *ملوك العرب* التي تعود إلى عام 1924، وضمَّ أيضًا رسائل تلقاها بعد انتهائه ن كتابة ملوك العرب وبعد عودته إلى لبنان من كتاب ومفكرين في مصر والعراق وجدة، بالإضافة إلى رسائل باللغة الإنجليزية من نيويورك. كما عرض جداول للأصناف الأدبية في الكتاب، موضحًا تنقله الأمن بين أدب الرحلة، الكتابة الاجتماعية، والأدب السياسي. واختتم الفصل بنماذج من الطبعات الإنجليزية وترجمات الكتاب إلى لغات أخرى، بالإضافة إلى رسائل من شخصيات بارزة مثل الملك عبد العزيز آل سعود والملك فيصل.
في الباب الرابع، قدم البرت الريحاني مجموعة من المقالات التي كتبت حول كتاب *ملوك العرب*، والتي تمتد زمنياً من عام 1924 حتى 2017.
إضافة إلى الأبواب السابقة، استهل ألبرت كتابه بمقدمة قدمت تفسيرًا شاملاً لرؤيته الخاصة حول الكتاب في صفحات .
أما غلاف الكتاب فهو باللون الذهبي الفخم مع صورة لأمين الريحاني، وهو إصدار أنيق من منشورات دار النهار. في الصفحة الخلفية، نجد بعض الأقوال التي أُطلقت حول *ملوك العرب* وأمين الريحاني، من شخصيات بارزة مثل الملك عبد العزيز آل سعود، وإينياس كراوتش كوفي، والأمير شكيب أرسلان، والملك فيصل الأول، إضافة إلى إشادات من صحف مرموقة مثل *The Times* البريطانية، و *The New York Times* الأمريكية، وصحيفة *Le Temps* الفرنسية.
—————-
2- قراءة بانورمية لكتاب " صنوف الأدب في ملوك العرب"
ماذا أضاف كتاب "صنوف الأدب في ملوك العرب" الى كتاب "ملوك العرب" النفيس ، و الى رؤيتنا لكاتبه أمين الريحاني ؟
أ-التأكيد على التخطيط المسبق والريادة في وضع "الأهداف الذكية" :
لم تكن الرحلة التي قام بها أمين الريحاني لم تكن مجرد قرار عابر أو مغامرة عرضية، بل مهمة استراتيجية محكمة، صاغها الأمين وخطط لها بعناية فائقة، وبرؤية ثاقبة. لقد ظهر الريحاني رائدًا في فن التخطيط، وسباقًا في تطبيق مفهوم "الأهداف الذكية" الذي قدمه الخبير الإداري جورج دوران في عام 1981، قبل أن يتبلور في عالم الإدارة الحديثة. .
(SMART GOALS)-) Specific- Measurable- Accessible- Relevant- Time Bound)
( محدد ، قابل للقياس ، قابل للتحقيق، مرتبط بمهمته، محدد بإطار زمني واضح)
فجاء هدفه:
محددا ، ففي رسالة الأمين في 31 آذار 1922 رسالة إلى صحيفة "نيويورك تايمز" يعلمهم بتوجهه من جدة إلى اليمن، ثم إلى عدن، فبومباي، وصولاً إلى بغداد،ما يعني أنه كان يمتلك خارطة طريق واضحة ومددة.
قابلا للقياس،وفي رسالة لزوجته برتا ، يعلن بشكل حاسم عن عزمه على السفر إلى الجزيرة العربية، حيث كان قد أعد "لائحة طويلة من الأسئلة التي لم يحصل على إجابات لها" .
قابلا للتحقيق، في رسالة ثانية لزوجته في 20 سبتمبر يخبرها أنه وجد طريقة لتمويل رحلته عبر شركة الريحاني للاستيراد والتصدير، بعد أن وافق أخوه يوسف على تسليف قيمة حصته من الشركة ما يعني أنه أمّن الامكانات والموارد لتغطية كلفة ونفقات رحلته.
مرتبطا بمهمته، وهي تحقيق الوحدة العربية، الذي كان يشكل نبض قلبه وعقله طوال مسيرته.
ومحددا بإطار زمني واضح، في رسالته إلى الإمام يحيى في 23 أبريل 1922، يؤكد الريحاني أنه "مقيد بخطة سفر محددة في الزمان والمكان" .
إن هذا التخطيط الدقيق والمنهجي هو ما يدحض كل الاتهامات التي قد تكون طالت الريحاني،( سواء كانت اتهامات ذات صلة بتطبيق أجندات خفية ، أو مصالح شخصية) و يؤكد ل على عبقرية الريحاني في التخطيط الاستراتيجي ، وريادته في تطبيق مفاهيم الإدارة الحديثة.
ب- الثبات في الهدف وفي العلاقات:
في عالم السفر والترحال، حيث تتبدل الوجوه والمشاهد كسراب الصحراء، يجسد أمين الريحاني مفارقة فريدة وا تناقضا صارخًا بين حركة السفر القائمة على فكرة التغيير و عدم الثبات و عدم الاستقرار في الامكنة من جهة وثبات هدفه من جهة أخرى . يظهر ذلك جليًا في رسالته إلى الملك فيصل في الخامس من سبتمبر، حيث يؤكد إيمانه الثابت بالوحدة العربية، ويقول: "إن اعتقادي بالوحدة العربية ثابتٌ على الدوام". ويضيف: "" إِنَّ حلمًا تحلمُه الأمّة في يقظة ٍمن يقظاتِها لتحقّقُه الأيّام ولو بعد مئة عام."
هذا الثبات تجلّى حتى عندما رفضت زوجته مرافقته في هذه الرحلة ، فما كان من الأمين إلا أن أقدم وأصر على الإقدام. ولم يقتصر هذا الثبات في تحقيق هدفه على حياته فحسب، بل امتد إلى ما بعد رحيله. ففي وصيته، التي كتبها قبل تسعة أعوام من وفاته، جسد الأمين إيمانه الراسخ برسالة الوحدة والسلام، التي كانت جوهر حياته. لقد كان مسافرًا ثابتًا، ورحالةً يحمل في قلبه وطنًا لا يتبدل ورسالة انسانية لا تفنى.
هذه الثباتة امتدت أيضًا في علاقاته مع الملوك، حيث لم تكن علاقاته آنية أومرتبطة بمصالح عابرة، بل كانت علاقة راسخة، بدأت قبل رحلته التاريخية، واستمرت خلالها ودامت حتى بعد أن أكمل مهمته.
وقد تجلّى ذلك بوضوح من خلال الرسائل التي كتبها ألامين إلى الملوك والسلاطين، والتي بدأت حتى قبل أن يبدأ رحلته. ففي 26 تموز 1920، كتب الريحاني رسالة إلى الملك فيصل يستأذنه في ان يكتب اسم الملك على الطبعة الثانية من ترجمته "اللزوميات" للمعري، مشيرًا إلى أهميتة في تعزيزا للاسم العربي لدى الأمتين الامريكية والانكليزية. وأثناء رحلته كتب على سبيل المثال رسالة إلى حاكم الحجاز، أبلغه بأنه قد خصص فصلا كاملاعن الحجاز في كتاب "ملوك العرب"، وأرسل كذلك رسالة إلى ملك اليمن في 23 تشرين الثاني، مذكرًا إياه بأن كتاب "ملوك العرب" يحتوي على جزء كبير عن حكمه.
وفي 27 آب 1924 ، وبعد الانتهاء من الكتابة، أرسل رسالة إلى السلطان عبد العزيز قال له فيها: " إني أبشركم بإنجاز كتاب "الملوك" ، فقد انتهيت اليوم من التاليف،وباشرنا منذ أسبوعين الطبع ،و سينتهي الطبع بعد شهرين أو ثلاثة أشهر في الأكثر. الكتاب في جزئين كبيرين،كل جزء 400 صفحة ويزيد ،وقد أتعبني جدا لأني منذ سنة ونصف وأنا أشتغل فيه كل يوم دون انقطاع . فصرت أشعر بوجوب الراحة وسأرتاح شهرا واحد من العمل، ثم أباشر تأليف" التاريخ" . إني متأسف لما كان من تأخير ولكن متى ظهر كتاب "ملوك العرب" ،ترون مقدار ما بذلته من الجهد فيه فتعذروني."
ج- العلاقة الفريدة بين الريحاني والملوك: شراكة فكرية وصداقة راسخة
حظي أمين الريحاني بمكانة رفيعة سامية واستثنائية لدى ملوك العرب، تجسدت في صداقة عميقة واحترام متبادل. ففي رسالة كتبها الأمين إلى ابن أخيه البرت، في 24 أيار 1926، بعد الانتهاء من كتابة الكتاب،يقول له أن السلطان عبد العزيز قال للريحاني: " نحن نعرفك ،ولك في قلبنا ما كان لك في الماضي، بل أزود وأزود وأزود ، وكرّرها ثلاث مرات". وقال مرة في مجلس عام في جدة لم يكن الريحاني فيه: " للريحاني عندنا منزلة عالية وهو العربي الصميم بل هو أشد اإخلاصا للعرب للعرب من العرب أنفسهم."
إضافة الى المكانة العالية ، كان الريحاني يستشير الملوك في تفاصيل الكتاب بما يتعلق الجزء الذ1ي خصصه لهم ، ويطلب منهم ابداء الرأي والمشورة. وبهذا فقد نقل الريحاني الملوك من مرتبة شخصيات في كتابه إلى مرتبة شركاء في عملية الكتابة.
في رسالة إلى الملك فيصل في 27 نشاط 1925، يقول الريحاني ، بعد أن قدم للملك الجزء الثاني من كتابه:" عسى أن يحوز استحسانكم وتشرفونا بكلمة أدخرها مع ما عندي من التذكاراات الشريفة العربية. وإذا كان في ما كتبت شيء من الخطأ أو النقص، فاعلمني به فاصلحه في الطبعة الثانية، وأكون شاكرا لكم سيدي."
ولم يكتفِ أمين الريحاني بمشاركة الملوك في تأليف كتابه "ملوك العرب"، بل تجاوز ذلك إلى استشارتهم في قضايا الأمة العربية المصيرية. ففي رسالة إلى السلطان عبد العزيز في 22 كانون الأول 1924، يعلم الريحاني السلطان أنه قدمه له كتاب مذكرة ضمنها برأيه في الحالة الحاضرة وما يمسّ القضية العربية قائلا:" اذا كان ما قدمت مزيجا من الخطأ والصواب، فأنا أول من يرغب بالتمحيصات وإني أقبل الحقيقة من السوقة، فكيف لا أقبلها من الملوك؟"
من جهة أخرى ، لم يتردد الريحاني في تقديم النصح والمشورة للملوكفكان بدوره مستشارا للملوك. وقد تجلى ذلك في رسالته الجريئة للسلطان عبد العزيز، في 9 كانون الثاني 1923 ، والتي ضمنها الريحاني قائمة بالإصلاحات التي يراها الريحاني من أسباب تحقيق المدنية والعمران و حفظ مصالح البلاد.
د- الحفاوة الكبيرة في استقبال الريحاني
استُقبل أمين الريحاني استقبال الفاتحين، استقبالًا يليق بمقام رسول يحمل رسالةً ساميةً. في مصر، حظي الريحاني بحفاوة خاصة ، حيث تم تنظيم العديد من الحفلات التكريمية على شرفه، والتي كانت بمثابة تجسيد لمكانته الرفيعة بين الأوساط الثقافية في مصر. و من أبرز تلك الحفلات التي استقبلته، الحفلة التي أقيمت في دار السيد البكري، شيخ مشيخة الطرق الصوفية، بالإضافة إلى حفلات أخرى أقيمت في منزل السيد سليم سركيس صاحب مجلة "سركيس"، ومنزل برسوم روفائيل صاحة مجلة "المرأة المصرية". كما زار الريحاني منزل إلياس زيادة صاحب جريدة "المحروسة". وحضر حفلات تكريمية أخرى في الجامعة الامريكية في القاهرة، وفي قصر الأمراء، وفي سفح الأهرام بدعوة من من أحمد ذكي باشا الذي كتب على ابطاقة الدعوة:" بعد الجعدي والذبياني، نابغة العرب، أمين الريحاني".
في رسالةٍ لزوجته "برتا" خلال رحلته، يعتذر أمين الريحاني عن قلة كتاباته لها، موضحًا أن وتيرة اللقاءات المستمرة والأنشطة المتلاحقة هي ما شغلته، حيث كان يتلقى دعوات ومقابلات لا تتوقف. ويؤكد لها في رسالته أن ما من أحد لقي ما لقيه هو من استقبال حار في مصر، سوى القائد سعد زغلول.
هذا الاستقبال الحار يدل على ما كان يتمتع به أمين الريحاني من محبة وإجلال في قلوب العرب،ومكانة لمن حمل راية الشرقيين في البلاد الغربية. فهو كما جاء على قلم محمد لطفي جمعة في الباب الرابع من الكتاب : رجل قدير قادر على اصلاح أمّته."
ففي حفلة سفح الأهرام القي أمير الشعراء قصيدة نقتطف منها:
رفعوا لك الريحان كاسمك طيبا إن العمار تحية الأمجاد
أطلع على يمن بيمنك في غد وتجلّ بعد غد على بغداد
وأجل خيالك في طلول ممالك مما تجوب وفي رسوم بلاد
وقال عبد المحسن الكاظمي خلال الاحتفال بالريحاني في سراي أمراء آل لطف الله في قصر الجزيرة:
في كل يومٍ حفلةٌ لكِ يرتقي فيها المنابرَ شاعرٌ وخطيب
لكِ كلَّ يوم في المحافل سيرةٌ تُتْلَى وذكرٌ من سناك ينوب
وخلال الاحتفال في الجامعة الاميركية في القاهرة قال الشاعر عبد الحليم المصري في قصيدته:
إن تحت الأقلام فتحا مبينا فوق فتح السيوف والمران
من يشأ أن يرى النوابغ منا فأمين يغنيهم عن بياني
وقال الكاتب والشاعر المصري محمود عماد في قصيدته :" هو في الأرضي رسول من عل" يقول:
فخر مصر بعد لبنان به فخر أمريكا وما خلف البحار
كيف تعتز به منطقة دون أخرى وهو يأبى ان يخار
وفي العراق لقي أمين الريحاني نفس الحفاوة والاحترام الذي لاقاه في مصر، حيث وجد محبة متبادلة بينه وبين الشعب العراقي الذي استقبله استقبالاً رائعاً. تم تكريمه بحفلات شائعة، ولم يُكرم أي أديب أو شاعر بنفس المستوى الذي حظي به الريحاني هناك. وكان الشعب العراقي، الذي كان يعاني من القهر والاستبداد، يرى في الريحاني مخلصاً ومنقذاً يدعو إلى الحرية والاستقلال.
من ققصيدة معروف الرصافي في 16 أيلول 1922 نقتطف الأبيات التالية:
أن العراق بعرضه وبطوله وبرافديه وباسقات نخيله
يهتز مبتهجا بمقدم ضيفه ويبشر مبتسما بوجه نزيله
مرحبا والشكر في ترحيبه وموهلا والحمد في تاهيله
بكبير معشره بفخر قبيله بربيب " لبنان" بريحانيه
أصح أحرار الانام تحررا في فكرة وبعقله وبقيله
لم تكن الاحتفالات التكريمية لأمين الريحاني مجرد ترحيب و تقدير له، بل كانت بمثابة شهادة تاريخية على دوره المحوري في خدمة قضايا الأمة العربية، ومناسبة لتحفيزه للمضي قدمًا في رسالته النبيلة.
ففي الحفلة التي أقامها الأستاذ الياس زيادة قالت كريمته " مي" مايلي:"فيا ريحاني الوادي، إن نحن احتفينا بقدومك مرحبين....، فإنما نحتفي بنفسنا الشرقية، وبما يتحرك فيها .... قائلين ما قالته بالأمس فينيقيا ومصر والعرب:" ها أنا ذا، جئتكم بمواهبي أستخدمها بنبل لمصلحة بني جنسي ومصلحة بني الإنسان.".
و في إحدى الحفلات التي أقيمت في منزل سليم سركيس، قال له الحاضرون:" إنك قد سمعت من الخطباء والأدباء كلمات المديح والإطناب بعلمك وعملك، فاسمح لأخ يجل عملك كثيرا أن يقول لك: إنك إذا كنت قد ضفرت لنفسك تاجا من الأدب، فإن في هذا التاج دررا يقدرها العلماء والأدباء حق قدرها، ولكنك لا تزال في سن الشباب، ولا يزال في ذلك التاج مكان لدرر أخرى قد تكون أغلى وأثمن مما رأينا فأعجبنا. فاعمل وجد لتتم تاجك وإكليلك..."
لم تقتصر كلمات التقدير على الأدباء والمثقفين العرب فقط، بل جاءت أيضًا من شخصيات عالمية، من السيد اوكس صاحب صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية، ما يعي أن الأامين لم يكن فقط ملكا للبنان او ملكا للعرب بل ملكا للعالم بأسره.
ه- تعددية الصنوف الادبية في كتاب ملوك العرب
في الباب الثالث من كتاب البرت الريحاني، يعرض" ألبرت" جدولًا يوضح كيف أن كل فصل من فصول كتاب أمين الريحاني يتناول مجموعة متنوعة من الأغراض الأدبية، التي قد تتراوح بين أدب الرحلة، الأغراض الاجتماعية، والأغراض السياسية. وفي العديد من الأحيان، يتضمن الفصل الواحد أكثر من غرض أدبي. فكتاب "ملوك العرب" هو عمل جامع كما وصفه طانيوس عبده في مقاله عن الكتاب، فهو جمع بين الجغرافيا والتاريخ والرواية والأدب والسياسة والأخلاق والفلسفة.
من جهته، وصف الدكتور محمد علي موسى الكتاب بأنه "صندوق الدنيا"، حيث يحتوي على كل شيء ممتع وشيق ومفيد، مؤكداً أن متابعة الكتاب من البداية إلى النهاية تعتبر رحلة معرفية غتية. وأضاف أنه بمثابة "مائدة سحرية" مليئة بالألوان والأنماط الأدبية المتنوعة، بحيث لا بد أن تقع يد القارئ على شيء قيم في أي جزء يختاره. وقد وصفه أنيس الخوري في مجلة الكلية الصادرة عن الجامعة الأمريكية في بيروت عام 1925 بأنه "تحفة أدبية"، بينما اعتبره مارون عبود "ملحمة العرب" في كتابه الذي حمل عنوان "أمين الريحاني" في عام 1952. فكتاب "ملوك العرب" هو مراجعة تاريخية مهمة توثق فترة حاسمة من تاريخ الجزيرة العربية بين القرنين التاسع عشر والعشرين.وكتاب سير ذاتية ل 8 من ملوك العرب . كما يمكن اعتباره إضافة أدبية هامة في مجال السياسة وأدب الرحلات، وثروة من المعلومات التي لا غنى عنها في المكتبات العربية.
و- شخصية امين الريحاني المركبةً
وبهذا، يظهر أمين الريحاني ككاتب شمولي، فشخصيته الأدبية ليست أحادية البعد بل شديدة التعددية. فهو في الوقت ذاته الأديب، والمؤرخ، والفيلسوف، والمفكر، والناقد الاجتماعي، والمصلح السياسي، والعالم الانتروبولوجي وهو الشاعر و الواصف والمصور والرسام. هو كتلة فكرية وأدبية وفلسفية ولغوية فريدة من نوعها.
هذه هي الشخصية المركبة لأمين الريحاني، والتي تفسرالتعددية الأدبية في عمله. وقد أصبحت طريقته أسلوبًا أدبيًا، بل مدرسة تعددية تُكرّس الأغراض الأدبية السامية التي تهدف غابيته. :
فهو في تصويره للملك حسين، نجد أنفسنا أمام تصوير دقيق لشخصيته، حيث يتابع الريحاني جديته في الحديث، وحركاته الدقيقة، وتغير جلسته على الديوان، وكل هذه التفاصيل تخلق صورة حية وواقعية للملك. نشعر وكأننا أمامه تمامًا. بوصفه للحرارة في جيزان يجعل القراء يهرعون إلى جيوبهم بحثًا عن المناديل لمسح العرق الذي يتصبب من جبالهم."
لم يكن أمين الريحاني مجرد عازفا منفردا في سيمفونية الأدب، بل كان قائد أوركسترا عبقريًا،
تمامًا كما يُدرك قائد الأوركسترا متى يجب أن يعزف البيانو، ومتى يجب أن يصدح الكمان، ومتى يجب أن يزمجر التشيلو، كان أمين الريحاني يعرف متى يجب أن يستخدم الشعر، ومتى يجب أن يستخدم النثر، ومتى يجب أن يستخدم الفلسفة، ومتى يجب أن يستخدم السياسة. إن هذه القدرةً الاستثنائيةً على دمج هذه العناصر المتنوعة في عملٍ فنيٍّ متكامل، هي التي جعلته يخرج سيمفونيةً أدبيةً خالدةً، تُعبّر عن رؤيته الشاملة للإنسان والكون.
.
ي- أمين الريحاني: القامة الآتية من المستقبل
لقد عاش أمين الريحاني عصر العولمة قبل العولمة بقرن من الزمن ، وقد ظهر ذلك من خلال رسائله التي كان يرسلها إلى محرري المجلات في مختلف أنحاء العالم، من نيويورك إلى الهند، ومن فرنسا وألمانيا إلى مصر وارسال نسخ عن كتابه واطلاع الغرب بالشرق.
لقد كان الريحاني سباقا في رؤيته للعلم كقرية صغيرة تتقارب فيها المسافات، وتتلاقى فيها الثقافات وا رائدًا في مجال العولمة الثقافية، ومبشرًا بعالمٍ أكثر انفتاحًا وتسامحًا.
إضافة الى ذلك فقد كانت رؤية الريحاني استشرافيةً بامتياز، فقد تنبأ بما تتمتع به المملكة اليوم من نهضةٍ شاملةٍ، كونها اليوم تشكل نموذجًا يُحتذى به في المنطقة والعالم، اذ كما ورد في رسالته للسلطان عبد العزيز في 3 آذار 1924 يذكره باللائحة الاصلاحية قائلا: "وحبذا الاسراع به ليكون مولاي أول ملوك العرب الذين أقدموا على مثله...بهذه الطريقة الوطنية. " لقد كانت رؤيته بمثابة خارطة طريقٍ لمستقبلٍ مشرقٍ، وهو ما يتجلى اليوم في رؤية 2030، التي يقودها صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان، والتي تولي الثقافة والفن والأدب والعلم اهتمامًا بالغًا.
كذلك لقد شكلت رؤية أمين الريحاني للقومية العربية النواة التي انبثقت منها جامعة الدول العربية. ولم تقتصر رؤيته على الوحدة السياسية فحسب، بل شملت أيضًا الدفاع عن حقوق الإنسان، كما تجلى في وصيته.
الاستنتاجات: مقاربة ألبرت الريحاني لكتاب ملوك العرب.
أولاً،لقد جمع ألبرت الريحاني أدب عمه، وقدم لنا ذخيرة غنية من التراث الأدبيلهذا الكاتب العربي الكبير تضمبين دفتيها روائع الفكر والشعر والسياسة، وقدم شهاداتٍ حيةً عن أدبه وشخصيته، ووثق لحظاتٍ تاريخيةً خالدةً. في هذا ، فهو بمثابة حارسٍ أمينٍ على تراث عمه ، وناقلٍ أمينٍ لهذا التراث إلى الأجيال القادمة.
إن عمل ألبرت الريحاني هو إعلانً عن ضرورة إحياء التراث الثقافي العربي الأصيل و إحياءٍ لذاكرة الأمة، وإعادة بناءٍ لجسرٍ يربط بين الماضي والحاضر والمستقبل.ولأن ندرك أن ناقل التراث هو حافظه، وأن الحفاظ على الذاكرة الثقافية هو جزءٌ من صناعة التاريخ. فإننا نرى ألبرت الريحاني شريكًا في نهضة الأمة، وإحياءء روح الإبداع والتجديد، وحافظًا لجوهر الهوية العربية في الذاكرة الجماعية.
ثانيا، لقد كشف ألبرت الريحاني في كتابه النقاب عن وجهٍ آخر لرحلة أمين الريحاني، وجهٍ خفيّ لم يكن ليظهر في "ملوك العرب" وحده. لقد كانت الرسائل التي تبادلها الريحاني مع الملوك، والاحتفالات التكريمية التي أُقيمت له، جزءًا لا يتجزأ من هذه الرحلة، ونافذةٍ نطل منها على كواليس الرحلة، ونرى من خلالها تفاصيل لم تكن لنعرفها لولا كتاب ألبرت، وهي بمثابة شهادةٍ حيةٍ على أن رحلة الريحاني لم تكن مجرد انتقالٍ جغرافي، بل كانت رحلةً فكريةً وثقافيةً، تُجسد رؤيته للوحدة العربية، وتُظهر مكانته الرفيعة في قلوب القادة والشعوب.
لقد كان ألبرت الريحاني بمثابة المؤرخ الأمين، الذي جمع لنا هذه الوثائق الثمينة، وقدمها لنا في قالبٍ أدبيٍّ شيق، ليُكمل لنا صورة الرحلة، ويُظهر لنا جوانبها الخفية، ويُجسد لنا تأثيرها العميق في التاريخ العربي.
ثالثا ، لقد جلب ألبرت الريحاني الماضي الى الحاضر ، و جعلنا نتذوق طعم تلك اللحظات، ونشعر بنبضها، ونعيشها بكل حواسنا. فكانت الرسائل والاحتفالات التكريمية بمثابة آلة زمن، نقلتنا إلى تلك اللحظات التاريخية، وخلقت فينا ما يُعرف "بالعدوى الشعورية"، فصرنا نشعر وكأننا نعيش تلك اللحظات بكل تفاصيلها، وكأننا حاضرون في تلك الاحتفالات،لقد حول البرت الوثائق التاريخية إلى قصصٍ مشوقةٍ، والرسائل إلى حواراتٍ حيةٍ، والاحتفالات إلى مشاهدٍ سينمائيةٍ؛ حتى أصبحنا نرى الماضي بعيوننا، ونسمعه بآذاننا، ونشعر به بقلوبنا.. الامر الذي أدى الى خلق علاقةٍ حميمةٍ بيننا وبين الكتاب، وجعلنا نشعر وكأننا جزءٌ من رحلة أمين الريحاني التاريخية.
رابعا ، لقد كان بإمكان ألبرت أمين الريحاني أن يكتب سيرة تقليدية عن عمه، أو تحليل نقدي لـ "ملوك العرب"، لكنه أدرك أن أمين الريحاني ليس شخصية أحادية البعد، بل هو كاتب شمولي، متعدد الأوجه، لا يمكن الإحاطة به إلا من خلال رؤية ثلاثية الأبعاد لفهم أبعاده المتشعبة لأن أي سيرة نقدية تقليدية، مهما كانت شاملة، لن تكون كافيًة للإحاطة بأمين الريحاني.
لقد كان ألبرت الريحاني يدرك أن أمين الريحاني ليس مجرد كاتب، بل هو مشروع فكري وإنساني متكامل. فهو كالشمس، لا يمكن رؤية جميع جوانبها من زاوية واحدة. لذلك، كان من الضروري أن يقدم ألبرت الريحاني للقارئ مجموعة متنوعة من المصادر، تشمل الرسائل الشخصية، والنصوص الشعرية، والمقالات النقدية، والأبحاث التاريخية، ليقدم صورة متكاملة عن عمه، وعن منهجه الفريد في كتابة "ملوك العرب".
لذلك، قدم ألبرت هذا الكنز الثمين، الذي يتيح لنا أن نغوص في عالم أمين الريحاني و نراه من زوايا مختلفة، و نكتشف جوانب خفية من شخصيته وإبداعه.
خامسا، أن تضمين كتاب ألبرت الريحانيمقالات حديثة هو شهادة حية على أن أمين الريحاني لم يكن رجل مرحلة عابرة، بل فكرٌ خالد ، و أن فكار ه ليست حبيسة الماضي، بل هي أفكار حية، تتجدد بتجدد الزمان. وهي قابلة للتطبيق حتى يومنا هذا ، و تحمل في طياتها حلولًا لمشكلاتنا المعاصرة. لقد أكّد ألبرت الريحاني أن كتاب " ملوك العرب" هو رؤية استشرافية للمستقبل، أكثر من أن يكون توثيقا للماضي فقط ، و أن أمين الريحاني حاضر و موجود بيننا اليوم، كما كان موجودًا في القرن الماضي، وأن أفكاره لا تزال مصدر إلهامٍ للأجيال القادمة.
الخاتمة:
ونعود الى ذلك المنجم ، ولكن على غير عادة المناجم، فهو منجم لا نجد فيه ظلمة ولا عتمة، بل نورًا ساطعًا أيضيء لنا جوانب خفية عن ملوك العرب وأمين الريحاني.
لقد جاء كتاب "صنوف الأدب" لألبرت الريحاني بمثابة مصباحٍ كشف لنا عن كنوزٍ دفينة، وأسرارٍ مكنونة، لم تكن لتظهر لولا هذا الجهد العظيم. لذا وهو بذلك مرجع لاغنى عنه لكل من يسعى الى قراءة كتاب ملوك العرب والتعمق في استكشاف عالم امين الريحاني. إننا نؤكد أن فهم "ملوك العرب" لن يكتمل دون قراءة "صنوف الأدب"، فهما كتابان متلازمان، يكمل أحدهما الآخر، ويقدمان لنا صورةً شاملةً لأمين الريحاني ورحلته التاريخية. لقد نجح ألبرت الريحاني في تقديم عملٍ فريدٍ من نوعه، عملٍ يجمع بين الأدب والتاريخ، بين السيرة والتحليل، بين الماضي والحاضر. عملٍ يستحق أن يُقرأ ويُدرس، وأن يُحفظ في ذاكرة الأجيال القادمة.
__________________________________________________
أدار الندوة الشاعر هنري زغيب، مفتتحًا بتحية إلى الحركة الثقافية على إدخال مئويتين في برامجها لدورة هذه السنة: مئوية "ملوك العرب" للريحاني، ومئوية منصور الرحباني، وتحية أُخرى إِلى "دار النهار" التي أصدرت "ملوك العرب" بأناقة لائقة.
وبعدما عرض فيلمًا وثائقيًّا قصيرًا عن أمين الريحاني من إعداد كارولين زعرب، قرأ مقطعًا من مقال "ملوك العرب" في الفريكة" لفؤاد سليمان، وركز على كون لبنان الوطن يتمثل بالخالدين كالريحاني ونعيمة وجبران وسواهم ممن ينصّعون لبنان على أرضه وفي العالم.