ندوة حول "يوبيل 325 سنة للرهبانية الأنطونية المارونية"
 
تقديم ندوة يوبيل الرهبانية الأنطونية - د. نايلة أبي نادر

تقديم ندوة في مناسبة الاحتفال بيوبيل الرهبانية الأنطونية

أنطلياس في 13 آذار 2025

 

في وقتٍ تعلو فيه من حولنا صرخاتُ الألمِ والهلع، وتحتشدُ الجماعات المنكوبة في ساحاتٍ ملطّخة بالظلم والاستكبار، نرى الحق يغتسلُ بنهر الدموع ويلملم ما تبقّى له من أمل في غدٍ أفضل، يسود فيه العدل والكرامة والأمان.  في وسط ما يُحيط بنا من سوادٍ، وفي خضمّ ما يضربُ مجتمعاتنا من أمواجٍ عاتية تهدّد البقاء وتُشعِلُ في الأعماق القلقَ على المصير، والسؤالَ عن المستقبل، نلتقي اليوم لنحطّ الرحال عند مناسبةٍ مشرقة في تاريخ وطننا، إنها ذكرى مرور 325 عاماً على تأسيس الرهبانية الأنطونية في لبنان. إنه تاريخُ جماعةٍ ديريةٍ عقدت العزم على المقاومة، مقاومة الجهل في مختلف تجليّاته، فعَمِلت على نشر نور المعرفة كما نور الإيمان، وسعت إلى خدمة الكلمة المتجسّدة في الإنسان، على وسع الجغرافية التي انتشرت فيها.

بين التلّة والقمّة نُسجت الخيوطُ الأولى من قصّةٍ سوف تملأ الوطن في جهاته الأربع، وتتخطّاه لكي تنتشرَ في المدى الأوسع. من تلّة دير طاميش إلى قمة جبل مار شعيا انبنت المداميك الأولى للرهبانية الأنطونية في لبنان، مجبولة بالعَرق والدم، ملوّنةً بالمحبةِ والرجاء، وموقّعة بحبر الإيمان. إنها مسيرةٌ مفعمة بالمحطّات المشرقة التي نحتت الصخر، وزرعت الأرض، وربّت الأجيال، وحمَلَت الخدمة الرعوية إلى النفوس العطشى. تاريخٌ حافلٌ بأسماء كالملح نكّهت الأيام بإنجازات لا تُنسى.

يسعى الإنسان في العادة إلى إقامة الاحتفالات وتحديد الأعياد لكي يدرّب نفسه على عدم النسيان، ورمي الماضي في أقبيةٍ باردةٍ يأكلها العفن. نجده يفرح في تعيين اليوبيل لكي يستغلّ الفرصة فيجمع ما لديه من أوراق وصور وبقايا من ماضٍ عبر فيربط ما تشظّى، ويضمّ ما تشتّت، ليعيد النظر في نقاط الضعف كما القوة، ويعمل جاهداً على تدعيم ما تخلخل، وصيانة ما تعطّل، وإنعاش ما تضاءل، وجمع ما تبدّد. هنا، يحضرنا قولٌ يُنسبُ إلى سقراط يشدّد فيه على ضرورة التوقّف عميقاً من أجل إعادة قراءة النفس وسبر أغوارها من أجل ضبط مكامن الضعف كما مواضع القوّة، للتمكّن من المضيّ قدماٌ نحو الأبعد والأرقى والأكثر كمالاً. يقول: "لا شيء أضرُّ بالإنسان من رضاه عن نفسه. فإن رضي عنها اكتفى".

أن نكرّس سنة بأكملها للاحتفال بيوبيل تأسيس رهبانية الآباء الأنطونيين والأخوات الأنطونيّات، فهذا يعني أن هناك كنزاً دفيناً يتطلّب جهداً كبيراً من أجل استخراجه وإظهاره للعلن. أسماءُ كبارٍ رحلوا، ونسّاكٍ توحّدوا، وأدباءَ ومؤرخين وباحثين أغنوا المكتبات بعطاءاتهم الوفيرة، فكان من الواجب أن تتمّ المحافظة على إرثهم وإحياء ذكراهم. هذا ما نجده يتوافق مع ما أورده بول فاليري ذات يوم حيث قال: "أمرَنا الله بالعمل والحركة، ولم يأمرنا بالراحة والجمود". فعلاً، هذا ما ينطبق على تاريخٍ من العطاء قد لا تكفي سنةٌ واحدة ٌ لاستعادة مختلف ما تمّ إنجازه في الماضي البعيد، وعلى أكثر من صعيد.

ليست الرهبانية الأنطونية بجناحَيها (الأنطونيّين والأنطونيّات) أمراً طارئاً على لبنان، إذ بينها وبينه تاريخٌ مفعمٌ بالمحطّات الممتدّة على وسع المساحة الجغرافية. بين الأنطونيين ولبنان قصةُ حبّ وحالُ عشقٍ يتجدّد مع الأيام. نجدُ الرهبانَ حاضرين في صفحات تاريخ لبنان المؤلمة كما المزدهرة، سقت دماؤهم الأرضَ المتكلّسة، وروى العرق المنهمر من جباههم المساحات القاحلة. كان لهم شهداءُ كثرٌ على مرّ السنين، منذ النشأة ولغاية الماضي القريب. آمنوا بالعيش المشترك، وسعوا إلى تجسيده حيثما حلّوا. خطابُهم يدعو إلى التسامح والحوار وبناء الجسور. سعى كبارٌ منهم إلى إرساء قواعدَ الانفتاحِ على الآخر، ومدِّ اليد إلى الجهة المقابلة، وكسرِ جليدِ الجهل وحواجز الخوف وقيودِ القلق، فبَنوا الجسور بين الهُنا والهُناك، وسعوا بجدٍّ إلى تقليص المسافات بين المتباعدين.

بين الرهبانية الأنطونية والعملِ الرعوي قصصُ نجاحاتٍ تحتفظُ بها سجلّاتُ ذاكرةِ عددٍ من القرى والمدن اللبنانية، حيث الأنشطةُ التي تجمع المؤمنين في إطارٍ من التعاون على بناء الإنسان.

بين الرهبانية الأنطونية والموسيقى أكثر من سمفونية وأبعد من احتفال يجعل من الصلاة عزفاً على مقام الأبد، وتُحفةً فنيةً متجلّية ببهاء.

بين الرهبانية الأنطونية وجيل الشباب ترسّخت أواصر المحبة والإصغاء والمرافقة المثمرة التي أسهمت في نشر الرجاء أيام البؤس والخيبة والانكسار. تحضرني عبارةٌ لبلزاك يقول فيها: "النبيل هو من يهبُ نفسه لنصرة الضعيف، لا لحماية القوي"، هذا بالتحديد ما ينتظره جيل شباب اليوم من الرهبانية الأنطونية في زمنٍ كثُرَ فيه الضعفاء وقلّ فيه النبلاء.

بين الرهبانية الأنطونية والتربية عشراتٌ بل مئات المحطّات المنيرة التي تركت بصمتَها في عقول أجيالٍ من المتعلّمين. هي التي نشطت في نشر العلم وبناء المدارس والجامعات في المدن والقرى البعيدة، حمل رهبانُها قناديل المعرفة بيد، وصليب الخلاص باليد الأخرى.

بين الرهبانية الأنطونية والثقافة امتدّت موجاتٌ وموجات من التواصل والتناغم والإبداع، وما الحركة الثقافية في أنطلياس إلا إحدى الثمرات التي قُدّمت على مائدة الوطن، منذ ما يقارب الخمسين عاماً في خضمّ اشتعال الحرب والذبح على الهوية، علامةً مجلّيةَ في رفض ِواقعِ العنفِ والتباغضِ والكراهية. حظِيَت الحركة الثقافية، أنطلياس، بدعم الرهبانية إيماناً منها بالعمل الثقافي المحترف والهادف، وهما على العهد باقيتان.

وبعد، يسرّ الحركة الثقافية، أنطلياس في هذه العشيّة أن تشارك الرهبانية الأنطونية بجناحَيها يوبيلَها وتقدّم لها أسمى مشاعر الفرح وعبارات التهنئة، وترانا نستغلّها مناسبةً لكي نشكر هذه المؤسّسة الكريمة على كلّ تضحياتها، وإسهاماتها في بناء المجتمع والإنسان. كما نجدها مناسبة للترحّم على أرواح من رحلوا عن دنيانا تاركين عطر أعمالهم الطيّبة يفوح على امتداد أرجاء الوطن. لكم جميعاً نقول شكراً من الأعماق. وإلى سنين مديدة من العطاء، والشهادة للحق، ونشر حضارة المحبة في أقاصي المعمورة.

 

أنطلياس في 13 آذار 2025                                      

نايلة أنطوان أبي نادر

___________________________

مختصر  كلمة  د. عماد مراد في ندوة الرهبانية الانطونية

اليوبيل 325 لتأسيس الرهبانية الأنطونية المارونيّة

الدكتور عماد مراد

عنوان المحاضرة: تأسيس الرهبانيّة الأنطونيّة المارونيّة وانتشارها

 

المقدمة

    إن المعلومات التاريخيّة حول الحياة الرهبانيّة في الكنيسة المارونية في القرون الوسطى ضئيلة جدًا جدًا لأسباب عدة أبرزها أن جزءًا كبيرًا من الأرشيف الماروني والكتب اللاهوتيّة المارونيّة قد أُحرقت على يد القاصد الرسولي الأب جان باتيست إليانو سنة 1579 في أثناء زيارته الأولى الى لبنان للاطلاع على أحوال الطائفة المارونيّة وحقيقة إيمانها.

   أمّا المعلومات عن الحياة الرهبانيّة في القرنين السادس عشر والسابع عشر فأصبحت أكثر متوفرة بسبب انتشار الكتابة والتدوين والنسخ  التدوين والنسخ عند الموارنة بعد افتتاح المدرسة المارويّة في روما عام 1584، وارتفاع عدد الرحّالة والمستشرقين والقصاد الرسوليين في القرن السابع عشر أمثال جيروم دنديني 1596 وأوجين روجيه 1646 و جان دولا روك 1688.

     قد يستغرب البعض هذا الكلام أي أنّه لا قوانين للرهبان الموارنة قبل تأسيس الرهبانيّات أي أن الرهبان كانوا يعيشون في فوضى(غير ملتزمين أو غير منضبطين)، لكن الراهب المارونيّ كان منضبطًا ومؤمنًا وملتزمًا، قانونُه الإنجيل وأعمال الرسل وسِيَر القديسين والآباء الأقدمون الذين عاشوا العفة والصوم والصلاة والتواضع والمحبة والإيمان والخدمة من دون تنظيم رهبانيّ.

 

أولاً: الرهبانية الأنطونية المارونية

     انطلقت الرهبنة الأنطونية المارونية في بداية القرن الثامن عشر، بمبادرة رجل القداسة والتقوى المطران جبرايل البلوزاوي مطران حلب، ومصلح الحياة الرهبانية ومجدّدها في الكنيسة المارونية، الذي أنشأ سنة ١٦٧٣ دير سيدة طاميش ليكون كرسيًّا لأبرشيّته، ونموذجًا للحياة الرهبانيّة المتجددة. وبعد أن درّب رهبانَه مدّة طويلة على السيرة الرهبانيّة الشرقيّة، أرسل الراهبين رزق الله السبعلي وبطرس البزعوني الى تلة عرمتا في برمانا، لكن مهمّتُهما كانت صعبة وعادا الى دير طاميش؛ وعام 1700 أرسل المطران البلوزاوي رئيس دير طاميش الراهب سليمان الحاج المشمشاني والراهبين عطاالله كريكر الشبابي وموسى زمار البعبداتي ليجددوا دير مار أشعيا برمانا. هؤلاء أنشأوا جماعة رهبانية جديدة في تنظيمها، تجسّد تعاليم الإنجيل، وتجاوب على حاجة الكنيسة في واقعها الاجتماعيّ والكنسيّ.

     تميّزت الرهبانية الأنطونية في انطلاقتها ببساطة عيش أبنائها، الذين كرسوا ذواتهم في خدمة الله والانسان، وحافظوا على نسكيّة الرّسالة القائمة على اختيار الله في الصمت والمناجاة الفردية والقراءة الربانية والمواظبة على الصلاة الجماعية المشتركة.

من أهم الأسباب التي دفعت البلوزاني الى القيام بهذا المشروع:

-  حالة الأديار المارونية في القرن السابع عشر وما وصلت إليه من فقر في عدد الرهبان وفي الموارد الإقتصادية بسبب الاضطهادات المتتالية على يد الولاة والحكام العثمانيين.

-  الإمتداد السكاني الماروني نحو المقاطعات الدرزية، في نهاية القرن السابع عشر وبداية القرن الثامن عشر، وهذا الامتداد بحاجة الى تنظيمكنسي ورهباني.

     وعلى الرغم من انفتاح المطران البلوزاوي على اختبارات الرهبانيات الغربيّة في حلب ولبنان، وعلى الرغم من صداقاته مع خريجي المدرسة المارونية في روما، إلا أنّه لم يتأثر في إصلاحه الرهباني بالتنظيم الرهباني الغربي بسبب تجذّرِهِ العميق في تراث آبائه الرهبان الموارنة، وبسبب رغبته في تجديد هذا التراث النسكيّالعريق بمعزل عن أي اقتباس.

      كان البطريرك جبرايل البلوزاني، سبّاقًا بروحه المسكونية وانفتاحه على جميع الطوائف والأديان، فلما كان مطرانًا على مدينة حلب وطّد علاقاته مع كل المسيحيين من كل الطوائف الشرقية والغربية ونشّط الروح المسكونية بتعاونه مع الروم الارثوذكس  والسريان واليسوعيين وغيرهم. كما أنه انفتح على جميع الجنسيات والأديان. وقد كان رجل حوار، يَكُّن الاحترامالجميع الملل. وقد ورث المؤسسون الأولون هذه الروح وحافظوا عليها. وظلت الرهبانية الأنطونية أمينة لروح مؤسيسها تعمل على توثيق العلاقات ومد الجسور مع كل الطوائف المسيحية، وتفعيل روح الوحدة بين الجميع.

    ورثت الرهبانية الأنطونية، منذ الأصل، الفرادة في التوجّه نحو جميع أشكال العمل المسكونيّ، والحوار بين الأديان. وقد استرعى هذا الطابع المميز انتباه الموفد البابويّ في المجمع اللبنانيّ عام ١٧٣٦ المونسنيور يوسف سمعان السمعانيّ الذي شدّد على هذا الطابع في مقدمته لكتاب قوانين الرهبانيّة. ويقول السمعاني في مكان آخر"... صار رهبانكم نموذجًا لسائر الملل الشرقية ".

ونقرأ أيضاً في رسالة أتى بها الأبوان بطرس عطايا ويونان بن الحاج بطرس باسم السيد البطريرك يوسف ضرغام الخازن والمطارين والرئيس العام والمدبرين من قداسة البابا بناديكتوس الرابع عشر ما يلي:

"...نحن نحتضن بمودة أبوية الرهبانية الأنطونية لحسن تربيتها ولأنها تعرّف الديانة الكاثوليكيّة ما بين غير المؤمنين بضياء نورها اللامع..."

     نظرت الكنيسة المارونية إلى فرادة رسالة الرهبانية الأنطونية، ومدى تجاوبها مع حاجات الكنيسة الملحة، فباركتها وشجعتها واعتبرتها نمطًا من أنماط الحياة الرهبانية الشرقية الثابتة، فاعتنت بها ودعمتها. وبوحي من الروح القدس، أثبتها أولاً البطاركة: الدويهي، والبلوزاني، وعواد ثم البابا أكليمنضوس الثاني عشر سنة ١٧٤٠، فأضفى عليها بهذا التثبيت طبيعة قانونية هو الحق الحبري مع كل الحقوق والإنعامات التي تعود للكنيسة الجامعة.

 

ثانيًّا: تنصّر الأمراء اللمعيين

          ناصر الأمراء اللمعيين الشهابيين والقيسيين يوم عين داره سنة 1711 وابلوا فيه بلاء حسنًا حتى نالوا لقب أمراء وسُلّموا المتن وزحلة وبعض البقاع وتصرفوا في البلاد تصرف الأمراء الاقطاعيين.

          إنّ السبب الأول لتنصّرِ الأمراء اللمعيين هو احتكاكهم بالمسيحيين والاعتماد عليهم واختبارهم في المحن والصعوبات واكتشاف صفاء قلوبهم وعقولهم، وبالاضافة الى تردّد رجال الدين الأوروبيين أو الاكليروس الوطني الى مجالسهم ومحاضرتهم في شؤون الدين والدنيا.

          إن أول أمير لمعي تنصّر كان الأمير اسماعيل من آل قايدبيه من أمراء صليما المعروف بالمشولح لكبر جسمه. وقد توفي هذا الأمير سنة 1788 بعد ان نصّر أولاده وأحفاده، وأصغر أولاده الأمير حيدر قائمقام النصارى في جبل لبنان الذي ساعد الآباء اليسوعيين في بناء ديرهم (دير السيدة) في بكفيا.

          أما تفاصيل اعتناق الأمير اسماعيل فغير واضحة ولا يوجد وثائق حولها، وإنما نعرف انه قدّم صورة إيمانه لقداسة الحبر الأعظم بيوس السادس الذي أتحفه بثلاث صور قديمة من عمل اشهر المصورين معروضة حتى في كنيسة دارهم ببكفيا وأرسل إليه براءَة يحثه فيها على حماية المسيحيين. وبالحقيقة ان الأمراء اللمعيين عموماً وآل قيدبيه خصوصاً ولا سيما الأمير اسمعيل هذا وأولاده الأمراء حسن وعساف وحيدر وأحفاده كانوا اكبر ظهير للمسيحيين فسمحوا في القرى المختلطة والدرزية بقرع الأجراس إنذاراً بأوقات الصلوات.

          وفي تاريخ الرهبانية الانطونية للاباتي عمانوئيل البعبداتي (ص 437) معلومات عن تنصر بعض أمراء اللمعيين في قرنايل وما يجاورها فاخبر ان الأب سمعان عريض وزملاءه لما عزموا على بناء دير لرهبانهم في قرنايل فقابلهم الأمير يوسف مراد اللمعي وخاطب الأب سمعان بقوله انه يرغب في بناء كنيسة على اسم قديس اشتهر بالشجاعة والذود عن حرمة دين الله أكثر من سواه فأشار إليه الأب بالقديس الياس الحيّ وأطلعه على سيرته المخطوطة في كتاب قديم فأُعجِب بها واصدر أمره ببناء الكنيسة ومال إلى التنصر والتقرب من المسيحيين ومساعدتهم وأوعز إلى عائلته ان يعتنقوا المسيحية فكان ذلك نحو السنة 1790. وأول من تنصر من هؤلاء الأمراء في قرنايل الأمير بشير ابن الأمير حسن ابن الأمير يوسف فقبل العماد على يد القس صموئيل وتبعه اللمعيون في العبادية ورومية وبرمانا. وكذلك أمراء رأس المتن تنصر منهم الأمير فارس ابن الأمير علي هو وأولاده على يد الأب عمانوئيل سلامة المتيني (اللبناني). وكان هؤلاء الأمراء يساعدون في تأسيس الأديار والكنائس والمدارس وينفقون على بعضها ويوقفون لها العقارات والأراضي. لكن الأمر لم يكن ليروق لأصحاب الدولة خوفًا من تقوية العنصر المسيحي بتنصرهم فلم يألوا جهدهم في إلقاء الفتن بين العناصر بإرسالهم ولاة إلى الشام وصيدا وطرابلس علموهم بغض أمراء لبنان فجرى ما جرى بسببهم من ضروب العسف والظلم والمشاغب والمذابح.

 

ثالثًا: الأديار الأنطونية

 

عدد الأديار الأنطونية التي بُنيت في القرن الثامن عشر

المجموع: 19 ديرًا (14 ديرًا ما زال قائمًا وخمسة أديار مندثرة أو بيعت أو نُقلت ملكيتها)

المعدل خلال القرن الثامن عشر: دير كل خمس سنوات

عدد الأديار الأنطونية التي بُنيت في القرن التاسع عشر

المجموع: 17 ديرًا ( 9 أديار مازالت قائمًا و8 أديار مندثرة أو بيعت أو نُقلت ملكيتها)

المعدل خلال القرن التاسع عشر: دير كل ست سنوات

 

عدد الأديار الأنطونيّة التي بُنيت في القرن العشرين

المجموع: 6 أديار خمس منهم خارج لبنان

المعدل خلال القرن العشرين: دير كل 17 سنة

عدد الأديار الأنطونية التي بُنيت في القرن الواحد والعشرين

المجموع حتى اليوم: 1

المعدل دير كل 25 سنة

توزّع الأديار بحسب المناطق:

أديار القرن الثامن عشر التي مازالت قائمة

12 ديرًا في مناطق درزية أو مختلطة أو تحت الحكم الدرزي

ديران في مناطق مسيحية

أديار القرن الثامن عشر التي اندثرت أو بيعت أو نُقلت ملكيتها

ديران في مناطق درزية أو مختلطة أو تحت الحكم الدرزي

3 أديار في مناطق مسيحية

المجموع: 14 ديرًا في مناطق درزية أو مختلطة أو تحت الحكم الدرزي

             5 أديار في مناطق مسيحيّة

أديار القرن التاسع عشر التي مازالت قائمة

4 أديار في مناطق درزية أو مختلطة أو تحت الحكم الدرزي

5 أديار في مناطق مسيحية

أديار القرن الثامن عشر التي اندثرت أو بيعت أو نُقلت ملكيتها

دير في تركيا

7 أديار في مناطق مسيحية (جميعها متنية)

المجموع: 4 أديار في مناطق درزية أو مختلطة أو تحت الحكم الدرزي

             12 ديرًا في مناطق مسيحيّة

 

الخاتمة

أخيرًا لا بد من كلمة تقدير للرهبانيات المارونية على ما قدمته لتطوير المجتمع اللبناني وعلى رأسها الرهبانيّة الأنطونية المارونية التي عملت طوال 325 سنة على نشر كلمة الانجيل عبر الوعظ والتبشير والتعليم على أمل أن يعطي الله هذه الرهبانية الدعوات لتستمر في عملها ونشاطها.

كما لا بد من كلمة شكر للحركة الثقافية – انطلياس التي تتحفنا في شهر آذار وطوال أشهر السنة بنشاطات ثقافية وتربوية ووطنية كنوع من المقاومة ليبقى لبنان وطن العلم والثقافة والحرية والسلام.

____________________________________

كلمة أستاذ سهيل مطر في يوبيل 325 سنة للرهبانية الأنطونية 

 

في يوبيل 325 سنة على تأسيس الرهبانية الأنطونيّة

 

أيها الأصدقاء

في طريقي إلى هذه القاعة، توقّفت أمام كنيسة مار الياس العتيقة، كنيسة عاميّة انطلياس، توقّفت، تذكّرت الشاعر عمر أبو ريشة وهو يقول:

إزميل مبدعه أدّى رسالته         إلى العوالم، فانطق أيّها الحجرُ.

كنيسة مار الياس بناء منذ أجيال المروة. وقد تسلّمها الأنطونيّون سنة 1723.

ومنذ أيّام، مررت قرب مار شعيا، في أعالي بعبدات، ومار شعيا قدّيس وليس نبيّاً، والرهبانيّة الأنطونيّة هي في الأساس، رهبانيّة دير شعيا، وبين جدرانه، تأسّست الرهبانيّة، مع آباء ثلاثة، سنة 1700. توقّفت أمام رهبة الدير، ومرّة ثانية قلت: فانطِق أيّها الحجر.

ماذا لو نطق؟ أسرار، أخبار، اعترافات، دموع وحياة نسكيّة تعتمد على الفقر والقهر والطهر... نسمع الحجر، ينطق بصوت السمعاني وباسم قداسة البابا كليمندوس الثاني عشر: "أحاطكم الله بسور الطاعة الجليلة والعفّة الملائكيّة والفقر الاختياري، لتصيروا مشهداً  للملائكة، خدّام الله".

وقفة ثالثة أمام دير مار يوحنّا، دير القلعة في بيت مري، وهو الدير الذي رُصفت مداميكه 1800 سنة قبل المسيح، والذي وصله الأنطونيّون سنة 1748، والذي، إن نطق اليوم، لكان للعرق والدماء، وليس للحجر والحنجرة، صراخٌ لا نميّز فيه صوت الأب ألبير شرفان في نغماته، وصوت الأب سليمان أبي خليل في تراتيله وصلواته.

الوقفة الرابعة وقفة وجدانيّة: كان يا ما كان، منذ أكثر من ستين سنة، فتى جردي في السابعة عشرة من عمره، يدخل إلى المعهد الأنطوني، يحمل شهادة البكالوريا – قسم أوّل، مضرّجة بالعرق والدموع، وشهادة فقر حال موقّعة بشفتيّ أمّه وصلواتها. يخاطب الرئيس، دون معرفة: أريد أن أتابع دروسي، لا مال عندي، هل يمكنني أن أجد فرصة للتدريس في معهدكم لكي أستكمل دراستي في الليل. غمر ذلك الأب الفتى، بمحبّة وإعجاب، وقال له: غداً تبدأ في العمل وتدرّس الصفّ العاشر. ذلك الفتى هو أنا، الذي اعترف أمامكم، أنّ هذه المبادرة كانت الطريق إلى الوصول إلى ما وصلت، أنحني أمام المعهد الأنطوني شاكراً، ورحمة الله على ذلك الأب الكريم.

الوقفة الخامسة، كانت لفتى آخر، لبّى الدعوة الرهبانية، وأصبح من المبتدئين في الحياة الرهبانيّة. يتراءى لي اليوم، وهو في إسكيمه الكهنوتي، يودّع رئيس الدير بقوله، وبخطّ يده:

في أحضان الرهبانيّة عشت، ورفلت بنعيم التربية الحقّة وقطفت أطايب الثمار التي أغدقتها عليّ هذه الرهبانيّة، بسخاء. ولم تكن لي يوماً إلّا تلك الأمّ – تعزيتي بعد أن غادرت الدير، وفقدت الدعوة، تعزيتي أنّني ما زلتُ بعض حروف في كتاب صلاتكم، ولم أزل أخاً لإخوة غمروني بكثير من الحبّ، ولم يقسوا عليّ ولو قست الأيّام وفرّقتنا.

هذا الفتى هو أخي صباح، الذي أصبح رئيساً لرابطة القدامى في المعهد، ومحامياً للرهبانيّة، وقد رحل عنّا منذ شهور قليلة.

خمس وقفات لا تحتمل إلّا الحبّ، ولكن ماذا لو نطقت الحجارة اليوم، تراها ماذا تقول؟

تقول: الرهبانيّات، كلّ الرهبانيّات، رجالاً ونساء، أسهمت في صناعة لبنان، لبنان الحضارة والثقافة والتربية والزراعة والأخلاق...

تضيف الحجارة: جذورنا متينة، ولكنّ سقوفنا بحاجة إلى إصلاح وتجديد، لقد دخلت علينا إغراءات ومفاسد، علينا أن نتنقّى منها، دورنا، اليوم، بعد 325 سنة، أن نكون معاً في الطريق إلى إنقاذ لبنان، لا القيادات السياسيّة ولا الرئاسات على اختلافها، قادرة لوحدها على هذه الخطوات.

الحجارة تدعونا جميعاً إلى وقفة تنقية الضمير، إلى مراجعة الماضي، إلى المحاسبة والتكفير، إلى صناعة دور جديد في المدارس والجامعات والأديرة البعيدة والمجتمع الإنساني.

كلّنا، في هذه القاعة، تخرّجنا من مدارس الرهبانيّات وجامعاتها، ولكن إلى جانب الشكر والإحترام، نحمل الكثير من العتاب وبعض الغضب.

نحن، يا أبتِ الرئيس العام، ويا أيّها الآباء الأعزّاء، إلى جانبكم، في عمليّة التجديد.

سامحوني، إن قلت: ما أرهبها ساعة، في مرّة سابقة، وكنتُ أتحدّث عن الأب الرئيس الدكتور أنطوان راجح، قلت: هل لفظة راهب، مشتقّة من الإرهاب أم من الرهبة.

 

يومها سامحني الأب أنطوان مع خمسة أبانا وخمسة على أن لا أعيدها،  ولكن... شكراً لكم، وألف مبروك يوبيل 325 سنة.

_________________________________

مداخلة الأب سليم  دكّاش اليسوعيّ 

إنّ اليوبيل، وفي هذه الحالة يوبيل ال 325 سنة، كما هو الحال بالنسبة إلى رهبانيّتنا الأنطونيّة الحبيبة، يستحضر بدايات تاريخ الرهبانيّة، وما يُسمّى بلحظات التأسيس، وأهميّتها بالنسبة إلى الأمس والغد. إنّها بالطبع فرصة للتعبير عن امتناننا وشكرنا إلى الذين أسّسوا الرهبانيّة، لكنّ الشكر الموجَّه إلى البشر يوجّهنا إلى التعبير عن شكرنا لمن هو سبب وجودنا. وهذا يستدعي فحص ضمير ذاتيّ، لا للقول بأنّنا أخطأنا، بل لفحص ذاتيّ فرديّ، والأهمّ جماعيّ، من أجل قياس مدى التوافق بين دعوتنا كما نريد أن نعيشها اليوم وموهبة زمن التأسيس.وُلدت الرهبانيّة الأنطونيّة المارونيّة، كما يقول التاريخ، في بداية القرن الثامن عشر، إلّا أنّ هذه الولادة لم تكن  مجرّد مبادرة تنظيميّة أو إداريّة بل هي ثمرة خبرة روحيّة عاشها أوّلًا الشابّ جبرائيل البلوزانيّ عندما ترك  قرية بلوزا على منحدر وادي قاديشا المطلّة على دير سيّدة قنّوبين، وقصد دير مار أنطونيوس قزحيّا في الوادي المقدّس في نهاية  الربع الأوّل  من القرن  السابع  عشر، حيث لبس الاسكيم الرهبانيّ وأخذ يعيش جهاد الحياة الرهبانيّة وأعمالها من صوم وصلاة وتوبة وفلاحة القلب والممارسات الزهديّة على أنواعهاوالغوص في الكتاب المقدّس حتّى حفظه غيبًا  كما الأمر مع  كبار الروحانيّين  الشرقيّين، وكذلك عيش سرّ الإفخارستيّا  بوصفه مصدر كلّ الاسرار، ويُشار إليه  في أدبيّات  السريان النسّاك إلى أنّه السرّ المطلق أو سرّ الاتّحاد.  وبين الحياة الرهبانيّة الخالصة وانتخاب البلوزانيّ أسقفًا على مدينة حلب سنة 1663 خلفًا للمطران يوسف الحصرونيّ،

هنالك إذن  السنوات العديدة والطويلة من خبرة التمييز بين الأرواح  المضادّة والأرواح الجيّدة والتدرّج  في سلّم الملكوت الثلاثيّ، من مرحلة تطهير الذات إلى الاستنارة، ثمّ إلى الاتّحاد بحسب اسحق  السريانيّ

نعرفمنأهلالتاريخأنّ المطران البلوزانيّ أسّسفيالسنة 1673 ديرسيّدةطاميش،ليكونكرسيًّالأبرشيّته،إلّاأنّه، في الوقت عينه، أسّسفيهنموذجًاللحياةالرهبانيّةالمتجدّدةحيثترهّبت مجموعة  من منالمبتدئينعلىيده،فدرّبهممدّةطويلةعلىالسيرة الرهبانيّة الشرقيّة،ثمّ أرسل النخبة ليجدّدواديرمارأشعياالراهبالحلبيّ،القائمعلىتلّةعرمتافيتخوممنطقةكسروان.هؤلاء أنشأوا جماعة رهبانيّةجديدةفيتنظيمهاتجسِّدالإنجيل،وتلبّيحاجةالكنيسةفيواقعهاالاجتماعيّ، محقّقةً آمالها في نشر كلمة الإنجيل التي تنطلق  وتعود  بالثمر الكثير. من دير طاميش، أطلق البلوزاتيّ بعض الرهبان لتأسيس الرهبانيّة الأنطونيّة في دير مار أشعيا. لذلك، يقول الأب انطون ضو الأنطونيّ: «الانطلاق كان من دير سيّدة طاميش. وبداية الرهبانيّة الأنطونيّة في دير مار أشعيا».  أمّا الأباتي حنّا سليم فقد وصف البلوزانيّ بهذه الكلمات: «إنّه رائد الحوار والتجدّد في الكنيسة المارونيّة، وقد شاء أن يُنعش الحياة الرهبانيّة فيها إيمانًا منه بأنّها علامة للوحدة في الكنيسة وبين أبناء الوطن. فأنشأ أوّل أديار الرهبنة في المنطقة المتاخمة لمكانٍ مختلط يشكّل فيه المسيحيّون أقليّة، فاختار تلّة عرمتا في مار أشعيا. وعلى نهجه سار الرهبان الأوائل فانتشروا من طرابلس إلى تركيا شمالًا ومن زحلة إلى مرجعيون شرقًا وجنوبًا».

لنأتحدّثعنالدورالذيحقّقهرهبانالقدّيسأشعيامنخلالنشاطهمالتبشيريّ في مجال تحوّل  بعض الأُسَر الدرزيّة  إلى يسوع المسيح وكنيسته المارونيّة.  بالرغم من  أنّه منالمهمّ أن  نتكلّم  عن  ذلك  الحدثفيلحظةمعيّنةبلماأودّأن أتحدّثعنههوشخصيّةالمؤسّسالمطرانالبلوزانيّ. لقدمنحهانتخابهأسقفًاالحريّةوالقدرةعلى  حصرالتعاملمعأبرشيّتهفيحلبومشاكلها،وكانت أبرشيّةهامّةجدًّاوبالتاليالتوقّفعنالاهتمامبالحياةالرهبانيّة. وبالعكسمنذلك، اختار أن يؤسّسديرًاوجماعة رهبانيّة،فكانتحريّتهمبنيّةعلىتجربةحياةرهبانيّةروحيّةشخصيّةفياتّباعالمسيحلايستطيعإخفاءهاأوإيقافها. ولمنيعرفشيئًاعنالحياةالنسكيّةالشرقيّة،فإنّهيرىفيالبلوزانيّ شخصيّةمثلهامثلالآباءالروحيّين الكبار تدفعها الفكرة بأنّ الحياة الرهبانيّةهيفيقلبالكنيسةويجبأنتحرّك رسالة الكنيسة. لذلك، أستطيع أن أقول إنّ البلوزانيّ رجل مندهش، معجب بما فعله الربّفيهومنّه.إنّهمندهشدائمًابمااستطاعأنيختبرهخلالالفترةالرهبانيّةالكاملةالتيعاشهافيالواديالمقدّسوبلقائهالعميقمعيسوعالمسيحمنخلالالكتابالمقدّسوشخصالمسيحفيالأناجيل.أودّ أن أشير هنا، وانطلاقًا من هذا الحدث المؤسِّس، إلى التحدّيات/الفرص المواجهة للحياة المكرّسة لكي تتجدّد من ضمن تاريخ  الرهبانيّة وموهبتها الخاصة

أوّلًا: أن نعيد اكتشاف قدرتنا على الدهشة والتعجّب، وأن نستعيد للحياة المكرسة كلّ جاذبيّتها. عندما نقرأ الأناجيل، تُذهلنا الدهشة، تلك التي يُظهرها تلاميذ يسوع ممّا يقوله ويفعله: الدهشة ممّا يقوله لأنّه يعلّم كصاحب سلطان وليس كالكتبة (راجع مرقس 1: 22)؛ والدهشة ممّا يفعله، لأنّه يفعل كلّ شيء بشكلٍ جيّد (مرقس 7: 37). فالدهشة والتعجّب، خاصّة في إنجيل مرقس، يفتحان القلب على الصلاح، ويولّدان تساؤلات تولّد بدورها إيمانًا يترجم إلى اتّباع المسيح (راجع مرقس 1: 22+).بل يقودنا هذا التعجّب إلى قرار قويّ بأن نكون في شركة مع  السيد، فلا يعوقنا  أي منصب او أي رسالة. يدفعنا الشغف لنكون مثله، لنقول ما يقوله ونفعل ما يفعله، لنكون معه، وهذا هو هدف كلّ حياة مكرّسة.ولأنّنا نعمل في مؤسّساتنا مع  الكثير من العلمانيّين ومنهم غير مسيحيّين، فالجزء الأوفر من رسالتنا يكمن في أن نكون  سفراء شغوفين لشخص المسيح يسوع في عمق شخصيّتنا

ثانيًا  الاندهاش والتعجّب هما الخطوة الأولى نحو التأمّل والتفكير الذَين ينيران العقل ويلامسان القلب ويحرّكان القدمين واليدين للسير والعمل، ويعطيان معنى لوجود المرء في وقت نفقد فيه معنى التزامنا، حتّى الرهبانيّ أمام حركة الكون المتسارعة التي تفقدنا القدرة للنزول نحو الأعماق من أجل رؤيةنجم  الحياة . إذا كانت الدهشة ضروريّة في حياة المؤمن، فهي أكثر أهميّة في حياة المكرّس، لأنّ انبثاق المقدّس هو دائمًا غير عاديّ: فالمتعالي يشعّ من المتعالي، والمفاجئ من الجوهريّ والمفاجئ، وغير المتوقَّع من المعتاد وغير المتحكّم به، واللامتناهي من المحدود. وإذا كان اتّباع المسيح في الحياة المكرّسة يعني الانطلاق في رحلة ارتداد لا تنتهي، فإنّ الدهشة والمفاجأة تفتحان باب الارتداد دائمًاوهذا ما حدث مع الأب البلوزانيّ. وبهذه الطريقة، فإنّ الدهشة والمفاجأة هما الترياق المضادّ للروتين وتفتحان الباب أمام خبرات جديدة. فبدون الدهشة والمفاجأة، تبرد العلاقة مع الربّ في الحياة المكرّسة وتفتقد الاستجابة للدعوة.كلّ هذا يتوَّج في كرازة دعويّة حقيقيّة مكوّنة من قصص واقعيّة، لأنّ الذين يختبرون معجزة الاتّباع في دهشة هم وحدهم الذين يستطيعون أن ينقلوا الحماس والفرح في اتّباع يسوع. فقط من خلال الدهشة والمفاجأة يمكننا أن نصبح رسلًافرحين للعروض السامية.من هنا، من هذه الدهشة الممزوجة بالفرح التي نقلها البلوزانيّ إلى أصحابه الأُوَل، نفهم تلك القدرة علىإيصال رسالة الإنجيلللتواصل مع الله المثلّث الأقانيم ومصالحة الجميع في المسيح يسوع.الدهشة والتعجّب لا يمكننا أن نبقى أمامهما بلا إحساس، بل يقودان إلى قرار قويّ بأن نكون في شركة مع هذا الشخص، يثيرهما الشغف بأن نكون مثله، أن نقول ما يقوله ونفعل ما يفعله، أن نكون معه، وهذا هو هدف كل حياة مكرّسة.ادعوكم  هنا  الى قراءة بعض نصوص الشيخ  الروحانيّ يوحنّا الدلياتيّ وما فيها من دهشة وانذهال أمام  الصليب وانخطاف اثناء الذبيحة الإلهيّة التي ربّما قرأها البلوزانيّ لأنّها كانت متوافرة في أديار الجبل اللبنانيّ ومدينة حلب بالسريانيّة والعربيّة

.ثالثًا:نحن كأشخاص مكرّسين، أمامنا تحدٍّ وفرص هامّة: أن نحرص على أن تحتفظ الحياة المكرّسة بجاذبيّتها لأنفسنا، حتّى بعد مرور سنوات عديدة، وأن نثير انجذاب وتعاطف من هم أوّلًا في الداخل، لنكون  حياة الشركة الباخوميّة (نسبةً إلى القدّيس باخوميوس، أب الشركة) فتكون حياة الاستنارة أو الاتّحاد الشخصيّة دليلًا  إلى وحدة حياة الجماعة، وأيضًا تكون الجاذبيّة نفسها لمن هم ”في الخارج“، ليس فقط للإعجاب بها وللاهتمام كما لو كانت قطعة متحفيّة من القرون الماضية, بل أن نتفاعل معها أيضًا، وأن ننجذب إليها وننجذب بها ونستمرّ في أن تكون ذات معنى في عالم اليوم، وأن تقدّم نفسها كطريقة حياة بديلة لما يقدّمه العالم والثقافة السائدة، وفي النهاية أن تستمرّ في أن تكون نبويّة. نحن كأشخاص مكرّسين، مثل أنطونيوس، أمامنا الفرصة والتحدّي لنجعل حياتنا جذّابة بفضل جمالها، كشهود لطريقة مختلفة في العمل والحياة: ”من الممكن أن نعيش بطريقة مختلفة في هذا العالم“ ( البابا فرنسيس، إنارة المستقبل، أنكورا 2015، 13

رابعًا:بالطبع، لتحقيق هذا كلّه، لا يكفي التأمّل في جماليّات الحياة المكرّسة، ولا يكفي أن نطلق إعلانات مبدئيّة جميلة وطوباويّة لا علاقة لها بواقع الحياة، ولا أن نضع قطعًا جديدة على ثياب قديمة (راجع مرقس 2: 21).فالعاطفة هي لغة العشّاق، كما نرى في نشيد الأناشيد. يجب أن تكون العاطفة لغة المكرّسين. بدون العاطفة، تصبح الحياة المكرّسة بلا عاطفةٍ رديئةً وبلا طعمٍ وبلا فائدة (راجع متّى 5: 13). الشغف، الذي يميّز خبرة ”الحبّ الأول“ (راجع هو 2: 9)، يقودنا إلى السعي الدائم، بل أقول بشكل دراماتيكيّ تقريبًا، إلى درجة أن نصبح ”طالبين“ لمن أحبّنا أوّلًا (راجع 1 يو 4: 10) وإلى الانضمام بالنعمة إلى المحبوب (راجع كو 3: 1 وما يليها). يسوع المسيح هو السبب الوحيد الذي يبرّر الحياة المكرّسة. هو العنصر المؤسّس للحياة المكرّسة

خامسا : لقد وُلدت الحياة المكرّسة لتكون في تخوم الوجود والفكر، كما يقول لنا البابا فرنسيس غالبًا. نحن مدعوّون أن نضع جانبًا صراعاتنا الداخليّة التافهة، أن نكون أقلّ انكفاءً على الذات وأكثر انفتاحًا لنسمع  نداءات العالم مثلما سمعها الأنطونيّون الأوائل. من الواضح أنّ الخيار من أجل الضواحي كدير أشعيا على تلّة عرمتا يتطلّب منّا أن ”نخرج“ من ذواتنا، أن نضع جانبًا الصراعات الداخليّة الصغيرة، أن نكون أقلّ انكفاءً على الذات، أن ”نتفوّق على أنفسنا“، أن نأخذ زمام المبادرة في كلّ ما ينطوي على المحبّة والتضامن والمرافقة والاحتفال والترتيل الفرديّ مثل أبونا مارون مراد، والترتيل الجماعيّ بالعربيّة والسربانيّة، والصلاة والعمل مع الجميع ومن اجل الجميع، وخاصّة غير المسيحيّين والفقراء. ويجب أن نعترف أنّ هذا ليس بالأمر السهل، لكنّه تحدٍّ وفرصة هامّة للأشخاص المكرّسين - وخصوصًا أنتم الأنطونيّين - لأنّ  ذلك هو في أصل الموهبة الخاصّة

 سادسا : لا يمكن للحياة المكرّسة أن تتمحور حول ذاتها، بل يجب أن تضع نفسها في سياق التزامها الواضح في خدمة جميع شعب الله، وخاصّة الأكثر ضعفًا. فرسالة معاهدنا وجامعاتنا في مجال التربية لا تولّد النظرة النرجسيّة إلى الذات في الطالب والتلميذ بفضل المعارف  والمنهجيّات  والقدرة على التحكّم  بالفكر النظريّ والعمليّ، بل تعلّمهم التردّد إلى الأطراف والضواحي، واللقاء يدًا بيد مع أكثر الناس ضعفًا، لتضميد جراح  الرجال والنساء وآلامهم.إذا كانت الحياة المكرّسة الأنطونيّة تريد أن تولد من جديد وتنهض من جديد، فهذا لن يكون ممكنًا إن لم تنقلب الانقلاب الدائم على نفسها مثل أنطونيوس الذي ابتعد عن المدينة مرّات عديدة لكي يكتشف أكثر فاكثر كلمة الحياة، كي يجمّلها للآخرين أو يصلّي من أجلهم. ومع  انطونيوس المتجرّد، يصبح  اختيار الفقراء والأطراف ليس خيارًا  مرحليًّا ولا شعارًا ولا خيارًا اجتماعيًّا أو سياسيًّا بسيطًا. إنه اختيار قام به يسوع: ”الذي كان غنيًا صار فقيرًا من أجلكم لكي تصيروا أنتم بفقره أغنياء“ (2 كور 8: 9)؛ إنّه يعني أن يلبس يسوع العراة ويعطي الطعام والشراب للجائع والعطشان؛ يعني زيارة يسوع للمرضى والمسجونين؛ يعني الترحيب بيسوع من خلال الترحيب بالغريب؛ يعني مرافقة يسوع من خلال مرافقة مَن هم جزء من ثقافة الضياع (راجع متى 25: 35، 36). منذ أن صار يسوع فقيرًا (2 كور 8: 9)، إلهنا هو إله الفقراء. للفقراء مكانة خاصّة في قلب الله، في هذا التجرّد والعيش البسيط، على الطريقة الأنطونيّة، يصبح العمل الرسوليّ اكثر نضوجًا وإشراقًا ومناعة، وبالقوّة الروحيّة، تصل الرسالة وبشرى الأنجيل إلى غاياتها من دون أن نعرف كيف ومتى .

سابعًا وأخيرًا :  في هذا السياق، وانطلاقًا من هذا التجرّد والقرب من الفقراء، يمكننا أن نكتسب شعورًا أخويًّا وعالميًّا أكثر من أي وقت مضى، بالإضافة إلى الشعور بالضعف. وهذا يعلّمنا بقوّة، لا أن ننأى بأنفسنا عن السياسة كمشاركة في بناء الخير العامّ، بل عن السياسة كقوّة قهريّة للبعض على البعض الآخر وإرادة تسلّط وتفضيل البعض على البعض الآخر. هذا النوع من الممارسة السياسيّة يولّد الكراهية ويبعدنا عن القيم الإنجيليّة مثل المغفرة والمصالحة، وهذا بدوره يبعدنا عن أن نكون وكلاء للمصالحة بين الله والناس.وهذا  التجرّد يفتح  الباب أمام الشهادة الأسمى وهي التضحية بالحياة كما حصل مع الكثيرين منهم وأسماؤهم معروفة وكان  من القافلة من بقوا طيّ الفقدان مثل الأبوَينألبيرشرفانوسليمانأبوخليلفيديرالقلعة،ولتاريخهلميُعرَفبعدمصيرهما،إلىجانبهماالعزيزةخالتيفكتوريا  صادر.

وكلمتي الأخيرة تقول في سياق هذا اليوبيل إنّ الرهبان والمكرّسين، ومنهم الأنطونيّين، حاضرون بطريقة تليق بهم: فهم لا يستبدلون أنفسهم بالواجبات والأشكال التي تخصّ أعضاء الكنيسة الآخرين، بل يصبحون علامة أكثر جذريّة لأسلوب حياة إنجيليّ، للعيش والمشاركة بالشهادة العلنيّة لمهمّتهم التي تتحقّق جماعيًّا في كلّ تعبيراتها.معالإرشاد  الرسوليّ "رجاء جديد للبنان"، يؤكّد البابا القدّيس يوحنّا بولس الثاني أنّ الأشخاص المكرّسين، من منطلق دعوتهم، يعلنون الإنجيل ويشهدون بكلامهم ومثال سيرتهم لأولويّة الحقّ المطلق فوق الكائنات البشريّة كافّة، بفعل انتمائهم إلى الربّ. ومن ثمَّ يرافق علاقتهم بالله مسلك ينسجم مع الالتزام الذي اتّخذوه، لأنّنا "لا نتصلّ بالله إلا بمقدار اعتناقنا الفضيلة"، وبمقدار سيرنا في طريق البنوّة الإلهيّة. فجميع أهل الفضيلة وبخاصّة المكرّسين، يُضفون على حياتهم بعدًا قربانيًّا، ويعكسون مجد الله، ويغلّبون معنى الوجود العميق الصحيح. في عالم يتّجه أكثر فأكثر صوب الماديّة وأصنام كثيرة، حتّى الذكاء الاصطناعيّ، يبدو التكرّس الرهبانيّ أشدّ إلحاحًا. ولتكن شهادة المكرّسين قابلة للتصديق، "لأنّ الإنسان المعاصر أكثر إصغاء إلى الشهود منه إلى المعلّمين". وذلك أنّ الرهبان، بنمط وجودهم وأمانتهم لوعودهم، يرشدون الناس إلى طريق السعادة ويُعتبرون هُداةً روحيّين يحتاج الشعب إليهم، على مثال القدّيس أنطونيوس، أبي الرهبان .