مندلى

ندوة حول رواية كمال ديب "مندلى"

في المهرجان اللبناني للكتاب، أنطلياس 9 آذار 2025

(زياد شبيب)

 

في كتاب مندلى اكتملت ثلاثية كمال ديب الروائية الرساليّة التي أراد التعبير فيها عن مخزون آخر من تجربته المعاشة وذاكرته الخاصة وخلاصات قراءاته وتأملاته الفكرية في إطار أدبي آخر لا يتسع له النوع الذي عُرف فيه في مؤلفاته البحثية في الاقتصاد والتاريخ والسياسة.

الإطار الروائي الذي وضع فيه كمال ديب كل مكنوناته الغنيّة أثبت العديد من الحقائق التي تنبغي الإشارة إليها:

  • أولًا: أن الرواية، وتحديدًا النوع الروائي الذي اختار اعتماده والتعبير من خلاله، وهو أدب الرواية الألمانية، أي الرواية التعليمية أو التثقيفية، هي الإطار الأمثل لحمل المخزون الفكري والثقافي للكاتب ضمن سياق قادر على نقل هذا المخزون إلى مدى أوسع انتشارًا وأعظم أثرًا من الأُطر الأدبية الأخرى ولا سيما البحثية منها، لأن الإطار الروائي كفيل بتوسيع دائرة القرّاء توسيعًا كبيرًا يصل إلى شرائح غير مهتمة عادةً بالمؤلفّات أو الأنواع الأدبية البحثية التاريخية أو الثقافية أو السياسية. وهذا ما تبيّن من خلال نجاح الروايات الثلاث للكاتب التي تمكن من خلالها من ترسيخ صواب خياره.
  • ثانيًا: أن الرواية وبخلاف ما قد يظنّ القراء المنصرفون عنها، أي هؤلاء المهتمون عادة بالمؤلفات البحثية، هي وسيط لا يقل شأنًا عن تلك المؤلفات من حيث المحتوى المعرفي الذي يشكل محطّ اهتمامهم في العادة، لا بل إنه يتفوّق ربما وفي جوانب عديدة على النوع الذي اعتادوه لأسباب تتعلق بسهولة القراءة وجاذبية العرض الروائي وقدرته على حمل القارئ على مواصلة القراءة بفعل عنصر التشويق الذي تتميّز به الرواية الناجحة.
  • ثالثًا: أن الكاتب الباحث عندما يبلغ مستوى عاليًا من النضج المعرفي الممزوج بالتجربة الإنسانية العميقة كما هي حال الدكتور كمال ديب، تظهر فيه علامات الإبداع الأدبي وتتفتح تعبيراته المكنونة لتظهر ما يختلجه من مشاعر ومواهب دفينة وتبدأ عنده مرحلة أخرى من العطاء يغلب عليها البعد الإبداعي. وهذا ما عبّر عنه وظهر به كمال ديب في ثلاثيته الروائية المتوّجة بـ "مندلى".

 

تجربة كمال ديب الروائية "رساليّة"، كما أسلفت، لأنها وبالإضافة إلى كونها تعبيرًا عن اكتمال معرفي عميق وعن نضج التجربة الإنسانية الخاصة به، فهي أتت من الدافع الداخلي أي من تلك القوة الكامنة فيه التي هي من جعلته يتفرّغ أصلًا للبحث والتأليف والتخلّي عن الوظيفة العامة الأكاديمية في الحكومة الكندية. هذه الطاقة أو القوة الداخلية نفسها هي ما حمله أيضًا على كتابة الروايات الثلاث ليقول فيها ما لم يستطع قوله، وينقل فيها ما يعجز التأليف البحثي عن قوله ونقله إلى القراء. فهي إذًا الخلفية الرساليّة أو الرسوليّة في كلا الحالين ما دفع كمال ديب إلى التفرّغ وبذل الجهد والوقت بلا مقابل أو بعد التخلّي عن متعلقّات الدنيا، لكي يضع أعماله المميّزة بتصرّف قرّائه المخلصين المتزايدين الذين اتسّع نطاقهم ليمتدّ حكمًا إلى عشاق الرواية بعد تسجيله الأرقام القياسية في المؤلفات البحثية الأخرى.

في مندلى، التي ينبغي أن يكون الحديث اليوم حولها، أبدع كمال ديب في البناء الروائي الذي لم تَعُزْه الحبكة ولم يغب عنه التشويق. وقد تميّزت هذه الرواية بالعديد من العناصر التي لا يتسع الجديث عنها في تعليق سريع، ولا يمكن إدراكها إلا عبر التمتّع بالرواية واختبارها شخصيًّا من القارئ نفسه.

هذا لا يمنع من التوقف في هذه العجالة عند العناصر أو المميزات التالية:

  • الأماكن:أحداث الرواية تدور في أماكن ثلاث رئيسة، بيروت وتحديدًا في حي الصنائع، والشوف بين عين الباروك وبعقلين، وكندا مونتريال.

وفي رواية "مندلى" يتمكن كمال ديب من حملك بسهولة والانتقال بك إلى الأماكن التي يسرد فيها أحداث الرواية حتى وإن لم تكن ممن زاروها سابقًا، أما إذا كنت قد عرفت المكان سابقًا فإنك ستراه بشكل مختلف عبر كمال ديب وانطباعاته. هذا ما تشعر به مثلًا في وصف حي الصنائع في بيروت أواخر الستينات من القرن الماضي فيأخذك الكاتب بين شوارعه ويصف بيوته العتيقة وأبنيته وما أزيل منها وما حلّ مكانه، وحتى أنه ينقل إليك المشاعر التي تنتاب المرء إزاء البيت المهجور الذي رحل أهله عنه أو البيت الذي تتألف حوله روايات الأطفال عن الموتى المدفونين تحته... من الصنائع وحديقتها التاريخية وما قاسته من محاولات التغيير، تزور مع كمال ديب رمل الظريف صعودًا إلى تلّة الدروز وفردان والشوارع المستحدثة في الستينات، ونزولًا إلى شارع الحمرا مرورًا بشارع روما مع كل التفاصيل الضرورية حول نشأتها وسكانها وأبنيتها، ومنها بطبيعة الحال بيت ريمون إده الذي تراه مساءً يتمشى يوميًّا نزولًا إلى مبنى النهار للتأكد من نشر بيانه الصحفي.

الانتقال مع كمال ديب لا يقتصر على المكان فقط بل هو انتقال في الزمن. ففي بيروت  تشعر أنك تعرفها في فترة ما قبل الحرب وما قبل التوسّع أو التضخّم الاسمنتي وما قبل التفكك المجتمعي على أسس طائفية بفعل الحرب، حتى وإن لم تنتمِ إلى الشريحة العمرية التي عاشت تلك المرحلة في العاصمة. وفي الشوف ترى القرية كما كانت في تلك المرحلة نفسها بقيمها وبساطة عيشها. وفي كندا تعيش اختبار كل لبناني سافر في تلك الحقبة وانتقاله الجغرافي والحضاري الهائل عبر الوصف الدقيق لتفاصيل ومحطات الانتقال ومناظر الطبيعة وألوان الأمكنة وأشكالها.

  • النفس البشرية والمشاعر:"مندلى" رواية تثقيفية ولكن المشاعر الإنسانية العميقة لشخصياتها تشكل أساس البناء فيها والحب لا يغيب عنها، وإن لم تكن رواية عاطفية. في الرواية غوص في أعماق النفس البشرية وصراعاتها الداخلية التي تقود تصرفات الإنسان وتحوّلاته، من دون النزوع إلى التحليل. وفي هذا الإطار ترى التحولات التي تعيشها الشخصية أو بالأحرى تعيش معها تلك التحولات وتنتقل من نزوات الطفولة والمراهقة المترافقة مع التربية المحافظة مرورًا بأخطاء الشباب وخطاياه التي تصل بالمرء إلى الأفق المسدود والرغبة بالانتحار، وصولًا إلى الاستنارة في أعوام النضج بعد تراكم المعرفة والاختبار والقدرة على التحوّل الهائل والجذري في خيارات الحياة.
  • الكثافة الفكرية والثقافية:تتميز رواية مندلى وروايات كمال ديب الثلاث، بالمحتوى الثقافي الهام. ولكن سلاسة التعبير التي يتميّز بها تضع المحتوى المذكور في إطار سهل لا يخرج بالقارئ عن الإطار الروائي المتواصل والشيّق. وهذه القدرة على السرد والتضمين تعتبر سمةً أساسية في تجربة كمال ديب الروائية وأحد أسباب نجاحها.
  • أخيرًا، الخبرة الشخصية: العناصر المذكورة أعلاه يتجاوز أثرها التجربة الروائية الخاصة بالكاتب وتنتقل حكمًا إلى القارئ فتطرح عليه التساؤلات العميقة التي تثيرها، ولا سيما تلك الجدلية الإيمانية أو الوجودية منها. ومن أهم تلك المسائل، الروح ومصيرها و موضوع التقمص الذي يقاربه الكاتب على ألسنة شخصيات الرواية من دون أن تدرك بأن الحوار بين مندلى التي تدلي بمعارفها التي حصّلتها من كتب حكماء الموحّدين الدروز والكاهن الأرثوذكسي الذي يناقش الموضوع من منطلق معارفه العقائدية وشواهده الكتابية والجولة التي يأخذك الكاتب فيها على ثقافة سكان أميركا الأصليين ومعتقداتهم والرحلة الروحية إلى عوالم اليوغا وفلسفات الهند، بأن هذا الحوار وتلك الجولات ما هي إلّا خلاصات تأملات الكاتب وثقافته الواسعة والعميقة، سكبها في الإطار الروائي من دون أن يفرض الأجوبة التي ربما توصل إليها، تاركًا لكل قارئ متعة القراءة وشوق التجربة.

 

______________________________________

مداخلة الدكتورة إلهام تابت

مندلى

 

تنتهي كل الرحلات بطريقة ما في وقت ما، إلا أنّ رحلة الإنسان لاكتشاف ذاته هي أطول الرحلات وأصعبها على الإطلاق.

في روايته الجديدة "مندلى"، يتابع الدكتور كمال ديب عملًا جبارًا، إذ يخوض مجال الأدب الروائي الذي بدأت رحلته معه في روايته "أنغلا" وبعدها "مجدلى". فالمفكر والباحث في مجالات السياسة والاقتصاد والتاريخ، صاحب مسيرة زاخرة بالعطاء، لكنّه لا يكتفي بما حققه في مجالات اختصاصه. إنّه يتابع البحث والتنقيب مسكونًا بهاجس وطني وقومي وإنساني، مشدودًا إلى جذوره، محاولاً بكل ما أوتي من فكر ومعرفة أن يعطي وطنا منهكًا وأمة مشرذمة وإنسانية فقدت وجهها، شيئًا من الضوء.

ذاك هو الخيط الذي يُمسك مؤلفاته في مختلف المجالات، ويجعلنا نستشّف أمرين مترابطين: الأول ملامح رحلته مع ذاته من خلال بعض شخصيات رواياته. والثاني مدى انغراسه بأرضٍ غادرها صغيرًا إلى كندا حيث صنع مسيرة مجليّة وشغل مناصب رفيعة كباحث في الاقتصاد وكأستاذ جامعي، لكنّه ظل ملتصقًا بأماكن الطفولة ورائحة الصعتر، وظل يحلم بأنّ غداً أفضل سيكون لوطنه الأم.

صحيح أنّ الإنسان محكوم بالحنين إلى الأرض الأولى التي تنشّق هواءها ولعب بترابها ونشأ بين أهلها، وهذا الحنين كان رافعة لنهضة أدبية وشعرية لدى أجيال من المهاجرين اللبنانيين إلى أصقاع العالم بحثًا عن حياة أفضل وهربًا من الظلم والتخلّف. لكنّ هذا الحنين كما نعاينه في مؤلفات كمال ديب يخرج عن سياق التعبير الجمالي لدى الكثيرين من أهل القلم المهاجرين، فهو ينحو إلى خيار قد لا يتخذه الكثيرون ممن حققوا نجاحات في الخارج. هكذا نرى المؤلف يتخلّى عن وظيفته لدى الحكومة الكندية والتي يحلم بها كثيرون، ويتفرّغ للكتابة عن وطنه ومشرقيته. وإذ يُسأل عن ذلك يُفصح عن تساؤلات طرحها على نفسه حول العدالة وتوزيع الثروات والمداخيل في عالم متوّحش يُمعن في زيادة ثروات القلة على حساب إفقار الكثرة، وبالتالي حول ما يحتاجه الإنسان ليعيش بسلام من دون أن يأكل أخيه الإنسان أو يدمر الطبيعة.

شرّفني كمال ديب عندما طلب مني قراءة مسوّدة "مندلى" ومن ثم كتابة مقدمة لها، وبقدر ما شعرت بالمتعة والتأثر في قراءتي لهذه الرواية، سأختصر في الكلام عنها، لأترك للقارىء متعة الاكتشاف والدهشة في مرافقة بطلتها، من طفولتها إلى بلوغها مرحلة التنوّر وإن كان نسبًا.

تبدأ هذه المسيرة من بيروت حيث كانت تقيم عائلة الفتاة، في منطقة تتجاور فيها عائلات لبنانية من جذور مختلفة. في هذا القسم من الرواية يحدد المؤلف الإطار الجغرافي والبشري والزمني للقصة في مرحلتها الأولى. تنساب الصفحات بسلاسة لتحيي ذاكرة الأمكنة وتحوّل المعالم والشوارع إلى صورة نابضة بأدق التفاصيل تعيدنا إلى أحوال بيروت بمطارحها وناسها بين أواخر الستينيات ومطلع السبعينيات من القرن الماضي. وهذه النقطة بالتحديد تستحق التوقّف عندها، إذ يدهشنا المؤلف بقدرته على ولوج الماضي بنظرة شمولية ودقيقة في الآن نفسه. وهذا الأمر يسري في الرواية بمجملها: من الجبل وأهله في فترة الحرب، إلى بيروت مرة أخرى بعد أن مزقتها هذه الحرب. فإلى كندا وحياة جديدة تلتقي خلالها البطلة بجذورها وتكتشف عمق ارتباطها بهذه الجذور. لتعود من ثم إلى الجبل كخاتمة لترحالها الطويل وتعلن اتحادها بالكون من خلال عودتها إلى الأرض.

رحلة مندلى الطويلة في اكتشاف ذاتها لا توصلها إلى السلام إلا بثمن باهظ: فكما تركت أهلها من قبل كان عليها أن تقبل بابتعاد ابنتها عنها... أما العبور من مرحلة إلى أخرى فيحصل على متن نظرة إلى الحياة تتطور وتتغذى من مشارب متعددة، لتتبلور باكتشاف الروحانية المشرقية واعتبار المحبة الدرس الذي نتعلّمه في بحثنا عن الذات.

هنا أيضًا يُدهشنا المؤلف بعرضه للمذاهب والتيارات الفلسفية التي تلتقي على الروحانية، وكان لبعضها بعد الحرب العالمية الثانية تأثير على الشباب في أميركا وأجزاء من أوروبا، إذ أدت إلى ظهور نماذج تتبنى المثل العليا في مواجهة المجتمع الاستهلاكي المادي الغربي. العرض الذي يتسع لأعمال هرمان هسه وفردريك نيتشه وجبران خليل جبران وسواهم، يُقدمه لنا المؤلف بأسلوب مبسّط يجعل الفلسفة بمتناول أي قارىء عادي.  

في أي حال، يهمني أن أشير بسرعة إلى عدد من النقاط في هذه الرواية الجميلة، بدءًا من عملها على إعادة إحياء الماضي، وصولًا إلى الأسئلة الجوهرية التي تطرحها: 

 -الألعاب، يُذكرنا المؤلف بألعاب ماضينا، الإكس والكلة وتقليد سوبرمان وسواها، حتى أنّه يعيدنا إلى حقول الطفولة وقطف الحميضة والجميز، ويعرج على مجلات كنا نقرأها وبرامج كنا نشاهدها عبر شاشة تلفزيون لبنان. هنا يبدو التلفزيون كشاهد على عصره من خلال استعادة برمجة البث وأبرز الوجوه الفنية والإعلامية...

-العادات والتقاليد، الزيارات، السهرات، الأحاديث، العلاقات الاجتماعية التي يسودها الود والاحترام والتفاعل بين الجيران من طوائف وخلفيات مختلفة. العرس في الجبل وطقوسه. حسن الضيافة ومساعدة الآخرين، وأخلاقيات نماذج من أهل السياسة والزعماء.

-التحولات الاجتماعية التي شهدتها بيروت قبيل الحرب بفعل ازدهارها واستقطابها الآتين من الأرياف، التقاط روح المدينة قبل أن تعصف بها الحرب وتمزقها فتجعل منها مناطق وأحياء متناحرة بينما المواطن الذي لا حول ولا قوة له لا يريد سوى العيش بسلام.

-أخلاقيات أهل الجبل والبعد الروحي الذي تقوم عليه عقيدة الدروز ومن خلاله تلتقي مع ديانات أخرى ومذاهب فلسفية. وفي هذا السياق يقول الكاتب إنّ روايته هي تكريم للمصادر الثقافية اللبنانية والعربية من روحانية الشرق الآسيوي، وخصوصًا الهند والصين. ويلفت إلى أنّ هذه الروحانية تبدو طاغية في أعمال لبنانية دون غيرها.

-نقد المجتمع الاستهلاكي والشباب التائه عن الجوهر.

- طرح أسئلة جوهرية حول حياة الإنسان واغترابه عن ذاته، والتشديد على العودة إلى الجذور من ناحية والاستفادة مما يقدمه العلم ويتيحه التطور في آن معًا من دون الغرق في القشور والملذات الآنية.

في النهاية، كل قالرىء قد يكون كاتبًا جديدًا للنص فعسى أن تكشف قراءة كل منكم له أبعادًا ومعاني قد أكون غفلت عنها.

وشكرًا...

 

_____________________________________

كلمة كمال ديب في ندوة أنطلياس حول رواية مندلى

9 آذار 2025

الحضور الكريم مساء الخير

أهلا وسهلا بكم في هذه الأمسية عن روايتي الجديدة "مندلى" وهي تستكمل ثلاثيتي عن العادات والتقاليد اللبنانية. فبعد روايتيّ مجدلى وآنغيلا، أقدّم الرواية الثالثة مندلى. عن فتاة لبنانية في مسيرتها من المراهقة والثورة وإندفاعة الشباب إلى الحكمة واتزان العقل.

تدور أحداث الرواية الأولى مجدلى (إصدار المكتبة الشرقية) في شمال لبنان في أواخر القرن الحادي عشر، قبل سنوات من حروب الفرنجة في المشرق. وتحكي قصة فتاة تدعى مجدلى المعلوف، ابنة صاحب مكتبة في وسط مدينة طرابلس التي تقع في غرام شاب وتعيش تلك المرحلة القلقة من تاريخ بلادنا.

أما الرواية الثانية آنغيلا (إصدار دار النهار)، فتبدأ أحداثها في قرية نائية في جنوب لبنان في أواخر ستينات القرن العشرين وينتقل بطلها يوسف ناصر مع ذويه إلى شرق بيروت بسبب الاعتداءات الاسرائيلية. ثم ينضم إلى آلاف النازحين إلى ألمانيا أثناء الحرب اللبنانية حيث يقع بغرام فتاة ألمانية تدعى آنغيلاً، لنشهد ملحمة الغربة اللبنانية في ألمانيا.
أما الرواية الثالثةمندلى فهي قصّة الفتاة "أميرة حلاوي" التي تعيش مع عائلتها في بيروت حتى فترة المراهقة، ثم تعود مع ذويها إلى قرية أجدادها في أعالي الشوف وذلك عام 1976 بعد انتهاء حرب السنتين في بيروت. ونعلم كيف أصبح اسمها "مندلى"، وهو اسم أطلقه عليها زعيم المنطقة الجبلية في مطلع عام 1977. وهذا الإسم يشير إلى دورة الحياة ومعاناة الانسان في مقاومة الإغراءات المادية وصولاً إلى التسامي الروحي والعودة إلى الجذور. حيث تسلك رواية مندلى مراحل البوذية الأربعة وتقارنها بعقيدة الموحدين الدروز.     

ومجدداً أستعملُ في رواية مندلى تقنيات أدب الرواية الألمانية. فهي أولاً من صنف الـ Bildungsromanأي هي رواية تعليمية تثقيفية، فيتمتّع القارىء بالسرد وبالوقائع ولكنّه يستفيد أيضاً من المعلومات التاريخية والإخلاقية ويتجّه إلى الحياة الفضلى وهو يغوص في صفحاتها.  
وهي ثانياً تستعمل تقنية الـ dopperlganger"أي االشخص البديل عن بطل القصة. والذي نجده في لارا وهي صديقة مندلى التي ترافقها وتمارس حياة متحرّرة يرافقها المجون والتفلّت في بيروت السبعينات. وهي أمور لا تمارسها مندلى نفسها كي تحافظ على عفافها النسبي ولكي يغفر لها القارىء هفواتها فيما بعد.
 وثالثاُ ثمّة تقنية تدعى deus ex machinaأي "الصدفة الإلهية". ففي الأدب اليوناني القديم تصل حبكة الدراما إلى موقف مستحيل، فيهبط الإله في صندوق من سقف المسرح (كالمصعد الكهربائي اليوم) ويعطي الحل بمشيئته فتستمرّ الدراما.  وفي روايتنا هنا أمثلة عن هذه التقنية، مثلاً عندما تسافر مندلى إلى كندا على بعد عشرة ألآف كيلومتر من لبنان، فإذا بها في الأسبوع التالي لوصولها إلى مونتريال تلتقي صديق المدرسة جو سليمان في الشارع، وهي صدفة هامة جدّاً تساهم في رسم بقية القصة. 

أتوجّه بالشكر لكل من قرأ المسودةً، وأخص الدكتورة إلهام تابت من ساحل علما والدكتور حسن حمادة من بعقلين ، وعائلة حلبي من بعقلين. كما أشكر الدكتور علوان أمين الدين من بيصور الذي ساعدني في الجولة الميدانية في الشوف، أو قدّم اقتراحات وأخص عائلة حلبي من بعقلين والسيدة ندى هلال من قرنايل المتن وسواهم.  وكذلك دار النهار ممثلة بمديرها القاضي زياد شبيب، وفريق العمل وخاصة السيدتين كارلا زيادة وإليز بشعلاني واعتذر لمراجعاتي المتواصلة قبل أن تصدر هذه الرواية.  

يتسنى لقراء الثلاثية – مجدلى وآنغيلا ومندلى - التعرّف إلى العادات في المناطق اللبنانية، سواء في التقاليد الريفية أو التي تتميّز بها الطوائف الدينية. فيرى قارىء رواياتي أنّ العادات اللبنانية هي كنوز ثمينة يجب الحفاظ عليها بعيداً عن منطق الميليشيات الطائفية والمناطقية المعسكَرة التي سيطرت على البلاد في منتصف القرن العشرين ولا تزال في أصل مصابه اليوم. فعندما أنادي بدولة مدنية إنّما أريد فصل الدين عن الدولة وليس التخلّص من المذاهب الدينية العريقة بتراثها وأدبياتها في المناطق الجميلة والساحلية والسهلية في ربوع بلادنا. فالمطلوب غسل الطفل الجميل لتطهيره من الأوساخ، وليس رميه مع الماء العكر.