ندوة حول كتاب د. ليليان قربان عقل
ادارة: د.نجاة الصليبي الطويل
السبت 2025/3/8
يسعدني أن يكون لقائي بكم في 8 آذار، وهو "اليوم العالمي لحقوق المرأة".
لم يأتِ تكريس هذا اليوم بالصدفة أومن عدم، إنما من جهود جبّارة، قامت بها نساء مميّزات سعيْن الى تطوير مجتمعهن من خلال معالجة ظروف قاسية وظالمة كانت تعانيها المرأة.
إن اختصار "اليوم العالمي لحقوق المرأة" بـ "يوم المرأة العالمي"، هو انحراف عن الهدف الأساسي لإحياء هذه المناسبة، والغاء للانجازات، طمس للاستباحات، وانكار للحقوق وتغاض عن الأخطاء.
بعض المشاهد وردّات الفعل الحالية تبرز بقوة ضرورة التمسك بالدفاع عن حقوق المرأة والإضاءة على التجاوزات المسلكية واللفظية تجاهها. مثال على ذلك: عدم التخلي عن ربط صورة المرأة بشكلها وبالجنس، والعجز عن معاملتها من الند للند؛ فترى سيدات منافسات للرجال في الوظائف والمراكز تواجهن دوماً تعابير سوقيّة مهينة: عنف لفظي نابع من فکر بدائي ونَمَطي.
الاعتراف بجهود السباقين حقّ؛ والاضاءة على ضرورة تطوير بعض الحقوق والمطالب، خطوة اساسية لفهم الواقع والعمل على تثبيت الأساسيات لإمكانية الانطلاق بعدها نحو مطالب مستجدّة.
مضى قرن واكثر على إعلان هذا اليوم، تثبيتاً لهذا النضال، كيف كانت الظروف التي ساهمت في هذا التحوّل؟ اسئلة تطرحُها د. ليليان قربان عقل في كتابها:
المرأة في النهضة العربية المعاصرة
رائدات من لبنان والمشرق
يستوقفك العنوان عند مرحلة النهضة المعاصرة التي تحدّدها الكاتبة بين بدايات الصحافة العربية 1858 مع "حديقة الأخبار" وظهور الصحافة النسوية مع مجلة "الفتاة"، حتى انعقاد المؤتمر النسائي سنة 1928 مؤتمر عام في سوريا ولبنان.
وفي المقدمة، تؤكّد الكاتبة وهي المتخصصة في الصحافة والممارِسة لها، رجوعها اليها كركيزة لبحثها:
"(...) حرّضني على وضع هذا الكتاب، شغفي بمتابعة دور المرأة الأدبي ومعرفة مدى اسهاماتها بتفعيل الحركة الفكرية العربية الحديثة، التي شكّلت الصحافة مهد انطلاقتها وساحة تفاعلها ومركزية حضورها(...)"
انها نهضة تبلورها د. ليليان قربان في فصول الكتاب الخمسة؛ فتعود الى التحولات التاريخية للمرأة العربية في الفصل الاول، ثم تفنّد مطالباتها واسباب نضالها في الفصل الثاني تحت عنوان: "قضايا المرأة في الصحافة العربية"، وبدقة الباحثة تربطها بالفصل الثالث، بأهمية الصحافة النسوية العربية وبتلازمها معها. ونتعرّف من خلاله الى اهم الصحف والمجلات الصادرة آنذاك. وتفرز الفصل الرابع للمؤتمر النسائي في بيروت عام 1928، الذي أمّنَ باعتمادها تقاريره، معرفة المطالب في ذلك الحين، واسماء المشاركين في لجانه.
اما الفصل الأخير فيُشكِّل ثلثي صفحات الكتاب، وهو نتاج عمل شاق، لإبراز العدد الأكبر من الرائدات العربيات: خمسٌ وسبعون رائدة وأديبة وناشطة اجتماعية.
تدرج الكاتبة هذه الباقة من الاسماء "كتحية وفاء لاولئك الرائدات، تقديراً لدورهنّ الفعّال". اسماء يحدق بها القارئ ويعيد قراءتها، متمنياً حفظها في حنايا قلبه وذاكرته لأنها ساهمت في تشكيل حاضره.
تصحبك الكاتبة برحلتها فتربطهن بأسماء عائلاتهن وبأماكن نشأتهن وتحركاتهن، فيأخذك الحنين الى الماضي، والتوق الى مشاركة الكاتبة في الغوص بهذا العالم الغني بأفكاره وتطوّره. تبني لك من خلالهن عصرهن ومجتمعهن. ترسم لك محاور رواية، تنطلق فيها من الواقع إلى الحلم فتتخيّل حياة كل منهن ونضالها.
بعد مطالعتي هذا الفصل، استرعت انتباهي نقطتان.
أولها، القواسم المشتركة بين تلك الرائدات ومنها:
- نشوء معظمهن في عائلات لها خلفيات ادبية او صحفية، ذات المستوى الاجتماعي الرفيع
- تمكّنهن من عدة لغات إلى جانب العربية : دور الارساليات في التربية والتعليم
- تنقّلهن من بلد إلى آخر، ومعظمهن نشأن في بلد وتوفين في بلد آخر (الانفتاح الاجتماعي والسياسي والثقافي آنذاك)
- الشعور القومي
- تميزهن بالمعرفة الأدبية والشعرية
- ممارسة الكثيرات منهن لمهنة التعليم
- مشاركتهن في صالونات ادبية ومؤتمرات
- نضال بعض الرجال إلى جنبهن وتسهيل عملية التقائهن ودعم مطالبهن. وهناك ذكر لتكريم بعضهم من قِبَل النساء.
أما النقطة الثانية، التي أثارت دهشتي، فهي بعض القضايا التي ما زالت عالقة حتى يومنا هذا:
- منذ مئة عام تقريباً كانت المطالبة بعدم زواج القاصرات وتحديد العمر الأدنى بــ 17 عاماً للأنثى و20 عاماً للشاب
- عدم الاعتراف بانجازات المرأة وحاجتها الى بذل مجهود اكبر لإثبات نجاحها وتفوقها
- محاربة تعدد الزوحات والطلاق
- تقليص إلقاء الخطب حول القضايا التحررية للمرأة العربية وحول الشؤون التربوية والاجتماعية
- عدم وجود الكثير من المجلاّت والصحف النسائية المتخصصة، ورقية كانت أم الكترونية
- المسافة الكبيرة بين الهدف المعلن هذه السنة لتطوّر المرأة هو في "تسريع وتيرة الاستثمار في الدور الريادي والفعّال للنساء والفتيات لإرساء السلام"، وما نعاني منه في مجتمعاتنا، في بحثنا للحصول على الحد الأدنى للحقوق المطالب بها سابقاً
يقدّم هذا الكتاب كما تقول الكاتبة نظرة بانورامية، ويقوم بعملية مسح شاملة لكافة جوانب الفكر النسوي في عصر النهضة، مختصرا أبرز القضايا التي توقفت عندها النساء، مرتكزا على وثائق وشواهد وأدلة حسيّة (فهرس غني)؛ وبذلك يرسم صورةً عن المجتمع والمحطات التاريخية والأدبية التي كانت سائدة في تلك الحقبة.
کتاب قَيِّم على اكثر من صعيد، وهو يشكل وثيقة ومرجعا وارشيفاً لمتابعة البحث وربما تصنيف الرائدات تبعا للبلد الذي نشطن فيه، واستنباط خصائص نضالهن في المجتمع الذي عايشنه.
كما يمكن فصل الكاتبات ذات الانتاج الأدبي أو الشعري من جهة، عن المناضلات اللواتي ساهمن في تطوير حقوق المرأة.
عمل شاق قامت به د. ليليان قربان، لا يتحمّل الدقة في متابعته سوى مّن لديه الشَغف بالموضوع مثلها. فالعودة الى الصحف القديمة ولملمة ما يهمّ بحثها ومن ثم حصر الأهم وترجمة المعلومة وتوظيفها في السياق العام بصياغة متينة ولغة ملفتة، أمر يتطلب الكثير من الصبر والمثابرة والمهنية والموهبة طبعاً.عمل نفذته بمفردها وكان حرياً ان يكون نتيجة تعاون جماعي.
أثني على همتها وعلى ايمانها بالكلمة وبمتابعة النضال بكل جرأة وإصرار.
كما أهنّئ مَن جعل هذا الجهد، حقيقةً ملموسة ومتوفرة للجميع، وهو الاعلامي والباحث والناشر الاستاذ انطوان سعد الديناميكي الذي لا يكلّ.
كتاب أنيق ملفت بإخراجه بورقه، وبتصميم وتنفيذ الغلاف، الذي هو بريشة لين جهاد عقل ابنة الكاتبة. انه بجماليته، يشوّق لاكتشاف ما في هذا الكتاب ولقراءته.
هنيئاً لدار سائر المشرق هذا النتاج الجديد المبهر. مبروك للد. ليليان قربان عقل، هذا الإصدار، متمنية لها بإسمي وبإسم الحركة الثقافية، دوام العطاء مع قناعتنا أن كل ما يساهم في تقدّم المرأة يطوّر المجتمع والعالم بأكمله.
شكرا لإصغائكم
___________________________________________
النضال النسوي في عصر النهضة وأبعاد التحرر
عزة الحاج سليمان
حضرة المسؤولات والمسؤولين عن تنظيم هذه الندوة والمعرض وهذه الحركة الثقافية الرائدة،
حضرة الحركة الثقافية في أنطلياس بما تمثل من مفكرين ومناضلين وناشطين ونشاط ومجتمع، الحركة التي لم تكل ولم تمل في صمودها ومواجهتها، دون الإنزلاق إلى لغة السوق ومتطلباته ودون الضعف أمام الاستقطاب الثنائي القاتل في لغة السياسة.
أشكر د. ليليان لاختياري في هذه المناسبة لتقديم قراءة عن كتابها، وهذا يشرفني، وأشكر الحركة الثقافية في أنطلياس لاستقبالنا في رحابها العطرة تاريخا ومقاما.
تأتي ندوتنا اليوم مناسبة عزيزة على قلبي من خلال لقائنا هنا، مع ثلة من الأصدقاء، في أشهر مباركة، وفي أرجاء الحركة الثقافية الرائدة. كما تأتي ندوتنا مناسبة لقراءة دور النساء والصحافة والنهضة الفكرية في عيون القانون ولكن بنظرة حقوقية، وإنما أيضاً للنظر إلى مرحلة النهضة وأدبياتها بعقل منفتح ومتحرر، عايش الإبادة التي تحصل في غزة، ودور الدول التي صدّرت لمجتمعنا "فكر النهضة" في إعادة تصنيفنا بين الحضارة والظلمات.
يأتي كتاب د. ليليان قربان إذاّ، المرأة في النهضة العربية المعاصرة: رائدات من لبنان والمشرق، الصادر عن دار سائر المشرق من بيروت في العام 2025، مهماً في توقيته وموضوعه ومضمونه، وتشكل الندوة في حضرة تشريفكم قيمة مضافة لي.
في قيمة الكتاب
يركز الكتاب على دور المرأة في المشرق في عصر النهضة. وهذا الموضوع بالمطلق ليس جديدا إذ نتساءل للوهلة الأولى ماذا سيقدم لنا من الإفادة بما أن العديد من الدراسات ركزت على دور "نساء" عرفن بنضالاتهن الجريئة والحرة من تلك الفترة. إلا أنه عند البدء بالإطلاع نكتشف أنه عمل مختلف لناحية آلية البحث التي قامت بها الدكتورة ليليان، مرأة لبنانية في القرن ال21، بعقلها وشغفها وقدراتها الإنسانية المطلقة عن النساء اللواتي ذكرن في الصحافة المشرقية ، وفي أرشيف يكاد يسقط من اهتمامنا في عصر ما يقدمه العالم الرقمي وما يفترض أن يستخلصه الذكاء الاصطناعي. فتتبلور قيمة الكتاب الإنسانية في مواجهة خطورة الآلة التي تقتحمنا وتقلقنا حول أدوارنا كبشر لتعيد البوصلة الحقيقية إلى الدور الإنساني في كتابة التاريخ وبناء الحضارة.
فالكتاب تناول موضوعاً أعيد طرحه بقوة في العقود الثلاثة الأخيرة، وبطريقة جدلية في مرحلة ما بعد الحداثة، وهو موضوع النساء وأدوارهن، وهدفت الباحثة لإماطة "اللثام عن ذخائر باعتبار المرأة شريكا فاعلا في بعث الفكر النهضوي" وفق تعبيرها في الصفحة 12. وفي هذا السياق أوضحت الكاتبة وبمسؤولية جمة عندما قالت أنها تقدم نظرة بانورامية وعملية مسح شاملة لكافة جوانب الفكر النسوي. وكانت دقيقة وواعية عندما ربطت هذا النشاط الفكري بمرحلة تحولات تاريخية عاشتها مجتمعات المشرق بين العام 1858 تاريخ بدايات الصحف العربية وما لحقه من محطة صدور الصحافة النسوية في العام 1892 و العام 1928 وهو تاريخ المؤتمر النسائي العام في سوريا ولبنان، الذي يمكن اعتباره رسم خارطة طريق النضال النسوي واهتماماته.
وفي هذا السياق الزمني الذي عُرف "بمرحلة النهضة" على وقع الحرب العالمية الأولى (من إرهاصات ونتائج) وهي كانت حروب الآخرين التي أتت نتائجها مباشرة على أرضنا وإن لم يكن الاقتتال المباشر بيننا أو فينا (مع بعض التحفظ). فقد علقت الدكتورة قربان عقل في ص. 17 على الـ "تركيز على اثر الحرب العالمية الأولى في دفع النساء إلى العمل الرعائي من تعليم وصحة وكتابة وصحافة كعمل إبداعي فكري".
وهنا يصطدم عقلنا بالفكرة، كيف تتزامن النهضة مع الحروب، وتشكل الحروب مصدرا للنهضة، بموجب أدبيات الدراسات الغربية، باعتبار أن النساء وجدن مجالا للدخول في الشأن العام من خلال أدوارهن الرعائية، وكأن هذا الدور كان غائباً في طبيعة مجتمعنا واحتياجاته وتدفعنا للتصديق أن الحروب تشكل مصلحة في استعادة دورنا كنساء.
تناول الكتاب رائدات بما تعنيه من تزامن تفاعلهن مع مرحلة مفصلية في تكوين دولنا، التي ما تزال تعيش خللاً بنيويا وواقعيا لم يسهم في انتاجها كيانا مستقلا ، مركزة بذلك على الفكر النسوي في عصر النهضة ويفتح ستارا عن مسار طويل من الدور النسوي قبل انزلاقه في خطاب السوق – وأعني بذلك سوق القضايا وفق القياس الشمولي المعلب تحت تأثير العولمة. ففي عصرنا الحالي، نشهد على قيم جديدة تذوب فيها خصوصية المجتمع المحلية وهو ما تاهت في ظلاله نسويات القرن ال21. هذا التوقيت يتزامن مع مرحلة مفصلية جديدة تعكس أفول النهضة. فيأتي الكتاب أولاً للمعرفة وثانياً لتلمس طريق جديدة للانبعاث في نهضة لائقة بهذا التاريخ.
وهو ركز منهجيته على تقديم المعلومة التي وُثّقت صحفياً عن مرحلة الحداثة والتي غيبت في كل الحقبة "النضالية" في مرحلة ما بعد الحداثة. بحيث يظهر دور راق لنساء لم تتداول يومياتنا أسماءهن كما هو حال العديد من الأسماء التي أوفاها الكتاب حقاً، أو عن نشاط نضالي لم يكن متداولا لبعض الرائدات المعروفات.
يشكل الكتاب ركيزة متينة ودليلاً عن رائدات "النهضة" وأيضا عن الصحف التي أسستها النساء من العام 1892 للعام 1928 ، مع توثيق دقيق أمين للتواريخ التي استطاعت تدقيقها الباحثة وكانت أمينة للإشارة إلى غياب قدرتها على الحصول على تواريخ نراها مفقودة أشارت إليها الكاتبة ب.... فشكل هذا العمل تنقيبا حقيقيا عن ثروة ثقافية نضالية تشكل منارة لاستعادة المعرفة حول النضال المجتمعي الموثق صحفياً. لم تقدم الباحثة في هذا الكتاب عملا تحليليا لمضمون البيانات والوثايق التي وجدتها، ولم تدّعِ ذلك، انما وضعت لها اطارا يساعد في استنباط الافكار البحثية تعمقا وتحليلا وحتى نقدا.
يمكن القول انه في عملها التأطيري في الفصول الاولى (واعني بها الفصل الأول: المرأة العربية والتحولات التاريخية، الثاني: قضايا المرأة في الصحافة العربية، الثالث: نشأة الصحافة النسوية العربية، والرابع: المءتمر النسائي في بيروت في العام 1928) قدمت د ليليان ومضات تضيء على رحاب من الافكار، هذه الومضات التي تشبه تماما دور النساء في فتح ابوابٍ على رحاب الحياة.
ومضات من عمق الكتاب
يسلط الكتاب الضوء على حقبة من تاريخنا بما تكتنزه من أدوار وتحديات وواقع وخصوصية، ويفتح المجال للبحث في ما يحيطه من واقع لم يكن هدفاً للكتاب، بما أن الكاتبة كانت وفية منذ أول سطر أن توضح شغفها بمتابعة دور المرأة الأدبي ومعرفةمدى إسهاماتها بتفعيل الحركة الفكرية العربية الحديثة.
وهذا ما اتضح من تأطير الكتاب في ص. 15 أن معالم النهضة الفكرية العربية تمت بالاتصال بالغرب ودور الإرساليات، ما أدى لبروز النزعة القومية التي أثرت بالحراك السياسي النسوي ومصدره وأبعاده وما أنتجته على مجتمعاتنا. وفق لتعبير الكاتبة، وهنا أضيف أن هذا الدور الموثق هو حراك فكري لم تتضح معالمه السياسية أو وجهته القومية إلا في ما ندر أو ما وراء السطور ... وهذه من أهم ومضات الكتاب.
والكتاب يشكل تنقيبا في صحف، بما تشكله الصحافة من أداة للتعبير عن الأفكار ونقلها وتداولها والتفاعل معها. فهي أداة ممارسة الحقوق الفكرية لأهداف سياسية مرتبطة بغاية الصحافة القصوى. لذلك، وفي تلك الحقبة، نلتفت إلى التركيز على دور نساء من المجتمعات الحاكمة أو المحظوظة في إجمالها تحت مظلة ذاك الحكم، رغم المظالم التي دفعتهن للنضال. هذه المجتمعات التي كانت محط تركيز الصحافة – يدفعنا للتفكير في ما كان يحدث في المجتمعات الريفية من دور النساء وتفاعلهن مع محيطهن والأدوار التي استنبطنها مثلا أو المجتمعات التي لم تكن خاضعة لنموذج الحكم الرسمي، لتدير نفسها وفق ثقافتها. كما يدفعنا للتفكير حول الفسحة التي أتيحت لهؤلاء الرائدات نظرا لامتيازات تمتعن بها سواء امتيازات سلطة (سيرة خالدةأديب مثلاً) أو امتيازات اجتماعية (زينب الأسعد) أو امتيازات أدبية (أليس البستاني)، وفي ذلك نستنتج دعم العائلات ورجالها لمسار تلك النساء، التي لم تجدن في الرجل منافسا لهن أو خطرا على وجودهن.
أشار الكتاب في ص. 19، الاتجاهات الفكرية التي سادت في حقبة عصر النهضة. ونحن نشير إلى أنها فترة النقاش التي أخذت بعدين بعداً قانونيا سياسيا في بناء المجتمعات وبعدا اجتماعيا اقتصاديا واكب الثورة الصناعية والتي اتجهت نحو العدالة الاجتماعية وتحرير الشعوب . هذا البعد التاني هو الذي تجلى في أداء وخطاب نسويات النهضة. على ما سنوضحه
استفادت بذلك المرأة من الدعوات التي "نادت بالحق بالتعليم والعمل والتحرر متوسلة الكتابة، من خلال اقتحامها عالم الصحافة تحريرا وتأسيسا ودور الصالونات الأدبية" وفق تعبير الكاتبة. وتبلور في المؤتمر النسائي في بيروت عام 1928 ،خطاب ومواقف، حيث يظهر من مخرجات المؤتمر قضايا أسرية وتركيز النساء على أسس العائلة والزواج ومواجهة الظلم الذي كانت تعيشه النساء تحت وطأة سلطة الدين في السياسة والمجتمع.
نادت بالعدالة والانصاف (ص. 47) ولم يكن من أساس مطالبها المساواة وفق أدبيات ما بعد الحداثة، بما تعنيه من تقاسم مصالح ونفوذ وثروات من خلفية فردية. ركزت على الشراكة في بناء العائلة وأن تخدم وطنها من خلال حسن تربية أبنائها، وتحصيل العلم والحق بالعمل شرط ألا يؤثر على واجباتها المنزلية. وارتبط العمل بفكرة التخلص من أن تكون عالة في المجتمع، وهي فكرة متقدمة في المسؤولية الوطنية والاجتماعية.
نستنتج أن الأسرة بقيت منطلق نضالات نساء مرحلة النهضة ومن أهم أهدافهن، لم تجدن فيها تهديداً لوجودهن ودورهن العام.
كما ربطت النساء تحررهن، وفقا لمخرجات المؤتمر، بخدمة نفسهن وخدمة الإنسانية . وبرز من خلال ما نادت به من حقوق دورها الرعائي إذ ركزت النساء على هدفهن في تعزيز مكانة المرأة ورفع شأنها ومصلحة المرضى وإطعام الجياع والعناية بالعميان ومداواة العجزة وستر العائلات وتبادل المنافع.
لم يكن التضال الذي واكب عصر النهضة مبنيا على ركائز الفردية إذاً، فهو كان نضالا ارتبط مع التحرر الاجتماعي الذي ساد مرحلة الثورة الصناعية، استفادت الرائدات من موقعهن الاجتماعي الثقافي لتحرير النساء في المجتمع وليس على أساس مواجهة المجتمع وأسسه .
ورغم غياب التوجه الفكري الذي ارتبط بنقاشات تلك الحقبة التاريخية بين الرأسمالية والشيوعية، إلا أن المطالب التي قدمتها النساء أو أعلنها في مؤتمراتهن ركزت على العدالة الاجتماعية وهي معايير تكشف خلفية المطالب. نركز في هذا السياق على تركيز الحراك النسائي في عصر النهضة على التحرر الاجتماعي دون التحرر الوطني، ولم نستطع أن نعلم من الكتاب غياب هذا النشاط واقعياً أو أن الصحف غيبت هذا الدور المفصلي .
استخلصت الباحثة على أثر انتشار المؤتمرات النسوية في البلاد العربية بين العام 1923 والعام 1928 أن المرأة انتقلت من خطاب الضحية – ضحية الدين والمجتمع – إلى مرحلة الجهر بحقوقها والدفاع عن تحررها. ص. 38.
تأثرت النساء في مطالبهن بمنظومة الدولة الحديثة التي كانت تاج الحضارة الغربية فاستقطبت اسسها تماهيا مع الثقافة التي بدأت في القرن الأخير من عمر السلطنة العثمانية، ولكن لم نلحظ رابطاً بين ما كان يحصل في البنى المؤسساتية وما كان يحصل في الخطاب الاجتماعي. هذا الغياب يفتح أمامنا بحراً من التفكير الذي يحتاج بحثا وتعمقا. إلا أننا على الرغم من هذا الهامش الغائب، نلتمس اختلافا يعكس توجهات سياسية متعددة من خطاب النسويات فمنهن من ذكر الوطن ومنهن من ركز على البلاد وأخرى ركزت على الامة. كما نلتفت إلى دور خالدة أديب التي تناولت في نتاجها أحوال الدولة التركية وهي اديبة تركية من النادرات اللواتي ناضلن سياسياً في فكرهن.
وعلى الرغم من غنى المراجع المذكورة في نهاية الكتاب إلا أن توثيق بعض المعلومات المستخلصة كان ضروريا لنتبين ما هو مصاغ باسلوب الكاتبة وما هو منقول عن الصحف. وفي ذلك أخذ الكتاب بعدا ثقافيا هاما، ومفتاح معرفة واسع، إلا أنه تراجع عن اعتباره مرجعا علميا موثقاً.
على هامش الكتاب:
يلفتنا أن الخطاب النسوي الموثق لم يبرز موقفهن من تقسيم بلادنا على يد الغرب، باستثناء بعض الحالات النادرة نذكر مثلا ملكة البارودي من سوريا التي ركزت نضالها على مناهضة الاحتلال الأجنبي (107) أو فريدة عطية وهي كاتبة من طرابلس (146) التي ركزت على الأدب السياسي في زمن التحرر العثماني ضد الفتنة التي حاول السلطان عبد الحميد زرعها في المجتمع السوري، أو سيرة مسيكة رحال (123) وهي انتقلت في سن السادسة من صيدا إلى بوسطن مع عائلتها لتلمع في عالم الرسم وتهدي الرئيس الأميركي في العام 1918 لوحة فنية قصدت من خلال مضمونها تحطيم أغلال الاستعباد.
بحثت عن فلسطين في الحراك النسوي، وهي المرحلة التي بيعت فيها هذه الأرض المقدسة ، فكان أن وجدت نضال وداد المقدسي (93) وهي مربية وكاتبة لبنانية درست في ميشيغن(üأمينة سرجمعية أصدقاء القدس في لبنان.رئيسة اللجنة اللبنانية لأصدقاء القدس في لينان، وقد بعثت رسالة إلى ملك أنكلترا للاحتجاج على وعد بلفور. ظهرت في عمل عنبرة سلام (129) التي ساندت زوجها أحمد الخالدي وهو مدير الكلية العربية في القدس في نضاله الوطني والتي أسست مع "سبطات الأمير عبد القادر الجزائري جمعية يقظة الفتاة العربية" سنة 1914 في سنة تقسيم بلادنا، استغربت تعريف هذه الجمعية بأنها للمرأة المسلمة وفق ما ورد في الكتاب علماً أن اسمها لا يشي بذلك. علماً ان نضالها من أجل الفتاة المسلمة كان واضحاً ما يعكس تمسكا في الدين ورفضا للممارسات. وهنا نلتفت إلى ضرورة معرفة هل كان هذا التعبير جزءا من وثائق الجمعية أو الخطاب الإعلامي حينها. طبعت كتابها الأول في القدس عام 1937 وكان آخر أعمالها "جولة في الذكريات بين لبنان وفلسطين" في كتابها الصادر 1978. لعل أهم ما رشح من نضال عنبرة سلام السياسي الوطني في وقت لا يذكر عن هذه الرائدة إلا تحديها القيم الاجتماعية السياسية الدينية في خلعها للحجاب.
أثارت بعض السير حشرية المعرفة لدي، وتساؤلات.
لفتتني سيرتان متقاطعتان وهما سيرة زينب الأسعد التي كان يطلب منها كامل الأسعد كتابة الشعر وإلقائه، كامل الأسعد نفسه الذي هدد دنيا تامر عندما قالت الشعر بحجة أن الشعر يهدد كرامة نساء آل الأسعد (كما ورد في الكتاب).
كما أستشهد دليلاً ، ومن ذلك تجربة زبيدة التنير ووالدها الشيخ يحيى زهير التنير الذي شجعها وفتح لها مكتبا لتعليم الإناث. وما لهذه السيرة من معنى سوى دليل على دور متنور لرجال دين في بيئة محافظة من بيروت.
كما أثار فضولي ما كتب في سيرة خالدة أديب، حول رفض الفتيات العربيات تعلم التركية في المدرسة العثمانية على يد سيدة تركية نيكار هانم، بحجة السفور والتطرف في الزينة، فوددت أن أعرف إن كان هذا ما كتبته الصحافة فعلاً دون توضيح أسباب أخرى لهذا الرفض من خلفية سياسية قومية ربما، في حقبة تواجهت فيها التيارات التركية والتيارات القومية الأخرى، خصوصا وأن العديد من اللبنانيات والمشرقيات تعلمن في مدراس إرسالية غربية بعضها ديني وبعضها علماني وغالباً ما كان السفور جزءا من مجتمع هذه المدارس.
ما وراء الكتاب:
أوجدت الدول الغربية دولتنا بقرار تقاسم نفوذ عالمي، وهي الدول التي أنتجت مفهوم الدولة الحديثة بناء على نضالات شعوبها ومفكريها. انتهت حلقة واكتمل عقد النموذج الغربي الأوروبي، الذي تأثرت بثوراته مجتمعات الشرق العربي. وساهم هذا التأثر بنهضة فكرية وإجتماعية شكل الكتاب دليلاً على مراحلها.
أما وقد بدأنا عقداً جديداً بحلقاته الأولى، في العولمة وعالم المتاجرة والتطوير العقاري والذكاء الاصطناعي، والذي يعيد اللعب على أنقاض تاريخنا ومجتمعنا المهشم، حيث تحولت القوانين إلى سلعة في لغة سوق السلطات والحقوق إلى سلعة في سوق المجتمع، نجدنا نعيد طرح الأسئلة نفسها التي حاولت رائدات عصر النهضة مواجهتها. ونجد دولنا تنتظر الوصفة الغربية لاختيار نظامها، وتنتظر رسم حدودها الجديدة، على أنقاض مجتمع تائه وجثث شهداء دافعت عن هذه الحدود، تلك الوصفة التي لا ترى في شعوبنا إلا أقليات طائفية تتوسل الحماية.
نعيد التساؤل حول أثر الحداثة التي دخلت مجتمعنا في عصر النهضة هل كانت فيها وسيلة للنهضة أو لإعادة تشكيلنا على أسس لا تشبهنا بالضرورة.
لذا أختتم مداخلتي بالتالي: إن التأكيدعلى توصيف قيم مجتمعنا بالبائدة والظالمة يدفعنا للبحث في معنى التحرر في الخطاب النسوي، وأبعاد التحرر وبين الاجتماعي والوطني، بين الحريات الفردية والتحرر الاجتماعي، بين مصالح الفرد وأبعاد النضال. ربما يحتاج تعبير النضال التحرري إلى التدقيق والنقاش، خصوصاً عندما ننظر إلى التاريخ من بعد زمني ونرى أثر ما تم تكوينه في القرن الماضي ليس فقط من بنى وإنما أيضا من أزمات، علينا أن نسائل أنفسنا عن وعينا لمفهوم التحرر.
______________________________________
المهرجان الثاني والأربعون للكتاب 2025
السبت 8 آذار 2025
كلمتي في تقديم ندوة حول كتابي
"المرأة في النهضة العربيّة المعاصرة، رائدات من لبنان والمشرق"
الحركة الثقافيّة - أنطلياس
مساء الخير، صباح الوطن وتحيّة للمرأة في يومها العالمي...
حضرة الدكتورة عزّة الحاج سليمان،
سعادة الأستاذ غسّان مخيبر،
الحضور الكريم،
إنّه لتشريفٌ كبيرٌ لي، أن تُعقد ندوةٌ حول كتابي "المرأة في النهضة العربيّة المعاصرة، رائدات من لبنان والمشرق" في إطار المهرجان اللّبناني للكتاب، بنسخته الثانية والأربعين، بتشارك مقدّر من الدكتورة عزّة الحاج سليمان، الأكاديميّة الثقة والباحثة ذات الرصيد الواسع في الإنسانيّات وميادين الفكر النسوي، وبحضور معتبر لسعادة المحامي غسّان مخيبر المدافع عن حقوق الإنسان والرافع بيرق العدالة في ولايته النيابيّة، قناعةً منه أن حقوق المرأة هي أساسيّات حقوق المجتمع، وإلّا بقيَ المجتمع أعرجَ ومعوّقاً عن النهوض.
هي وقفة شكر للحركة الثقافيّة أنطلياس على دعوتها إلى عقد هذه الندوة التقويميّة، وتحيّة تقدير لدار النشر (سائر المشرق) على إعتمادها كتابي واحداً من إصداراتها الموسومة بالعلميّة والنفع المعرفيّ.
أيّها الكرام،
ترتقي المداخلتان التقويميتان للدكتورة عزّة الحاج سليمان ونائب حقوق الإنسان المحامي غسّان مخيبر حول الكتاب ومواضعيه وطروحاته، إلى عمليّة تقعيد أسس الفكر النقدي الناظم للحركة النسويّة العربيّة وإسهاماتها في تحديث الفعل النسوي وتأكيد حضور المرأة وتفاعلها مع متطلّبات النّهوض والتشارك في صناعة مستقبل الحضارة العربيّة، التي أثبتت المرأة التي يُكتب عنها من حيث أنّها تستحقّ، ويُفكّر بها من حيث أنّها فارضةُ الحضور...
وإذ تُصادف أعمال هذه الندوة وحفل إطلاق الكتاب مع اليوم العالمي للمرأة، فثمّة باقة تساؤلات واجبةُ الطرح، انشغلتُ بها إنطلاقاً من عملي الصحافي وتخصّصي الأكاديمي وتعليمي الجامعي، هي أفكارٌ نتشارك بها من أجل المرأة ودورها وفعلها الحضاري:
- كيف للمرأة العربيّة أن تحضر من جديد؟
- أي تحديّات تواجهها المرأة العربيّة في مجتمع المتغيّرات الذي يتنازعه تيّاران: تقليدي آسِر، وتحديثي واعد؟
- أي حقٍّ، بل أيُّ حقوق للمرأة على المجتمع، تشريعاً وممارسة وإشراكاً في صناعة المستقبل؟
إنّها تساؤلاتٌ تحفيزيّة لدعم مسيرة نهوض المرأة بالمجتمع، والإنتصار لمسارها في تحقيق أهدافها الإنسانيّة والحضاريّة من أجل مجتمع عربي أكثر تكاملاً في الفكر والمسؤوليّات، بين المرأة والرجل.
أيّها الكرام،
أنا لا أدّعي أنّني ختمت العلم في هذا المضمار الحيوي، لكنّني جهدت ما قدرتُ إليه، لتأكيد دور المرأة وفَعلُها المجتمعي الذي أراد وبادر وعمل وحقّق ونجحَ.
فللمرأة في يومها كلّ التقدير،
ولحضوركم عميق الإحترام،
وقفلة الشكر للدكتورة نجاة الصليبي الطويل، لإدارتها هذه الندوة وإضفاء قيمة عليها...
وللحركة الثقافيّة أنطلياس شكري من القلب ودعائي باستمرار التألّق.
د. ليليان قربان عقل
أنطلياس 8 آذار 2025
______________________________________________________
تقديم وعبر في كتاب "المرأة في النهضة العربية المعاصرة
رائدات من لبنان والمشرق" للكاتبة والباحثة ليليان قربان عقل
كلمة المحامي والنائب السابق غسان مخيبر
السيدات والسادة الكرام،
نهنئ الكاتبة والباحثة الدكتورة ليليان قربان عقل على كتابها الأخير " المرأة في النهضة العربية المعاصرة رائدات من لبنان والمشرق". وهو يوفر للقراء بحثا في الجذور التاريخية للحركة النسوية ونضالها في لبنان والمشرق منذ العام ١٨٥٨ وحتى العام ١٩٢٨ عبر الصحافة والإنتاج الادبي.
وقد أضاءت الكاتبة والباحثة الدكتورة ليليان على هذا النضال الطويل الذي استغرق حوالي ١٥٠ سنة من اجل الحصول على حقوقها وحرياتها، ويظهر الحاجة الى تذكير المرأة العربية تحديدا والقراء العربيين عموما، بما قدمته من تضحيات وانجازات لإطلاق حرية عملها وتثبيت حضورها الفاعل في المجتمع والدولة.
وقد عملت الكاتبة والباحثة الدكتورة ليليان على رسم صورة هذا النضال عبر الصحافة والكتابات والاصدارات المختلفة والنتاجات الأدبية، في زمن النهضة العربية المشرقية (ولا سيما عبر الصحافة النسوية)، وقد كانت هذه الصحافة مجال تحرك عدد كبير من المناضلات، وقد برز حضورهن الريادي رغم التحديات التي واجهتها آنذاك.
وقد قدمت الكاتبة والباحثة الدكتورة ليليان صورة شيّقة وغير مألوفة لهذه الحقبة الزمنية، أوضحت مدى تفاعل هذه المناضلات الرائدات مع طروحات ذاك العصر ومستويات تمايزها عن الرجل في التفكير والإنتاج الادبي والحراك المجتمعي، بحيث اعطى هذا الكتاب صورا بهية وغير مألوفة لدور المرأة كشريكة كاملة في بعث الفكر النهضوي في لبنان ومصر (بشكل رئيسي) والمشرق وسائر الدول العربية الأخرى.
وقد ركزت الكاتبة والباحثة الدكتورة ليليان على حدث هام في تلك الحقبة تمثل في انعقاد المؤتمر النسائي العام الاول في بيروت في نيسان ١٩٢٨، كما استفاضت في اختصار سير ذاتية شيقة جدا لـ ٧٥ من الرائدات العربيات (ومنها بشكل خاص اللبنانية والمصرية والسورية)، تضمنت مقتطفات من ادبهن، لاسيما من الإنتاج الشعري الجميل.
وقد أوضحت الكاتبة والباحثة الدكتورة ليليان موقع المرأة في ذلك الزمن من التحولات التاريخية والاجتماعية التي اثرت ببروز حركة النهضة العربية، والعوامل الرئيسية التي اثرت بها وتفاعلت معها النسوة المناضلات، بما فيه بروز الشعور بالقومية العربية (بمواجهة القومية التركية والعثمانية الإسلامية)، وانتشار التعليم لا سيما مع الارساليات الأوروبية والأميركية المسيحية، والاتصال الفكري والحضاري بالغرب، وانخراط النساء في الأطر التي تمكنت اليها سبيلا لعملها وحركتها، لا سيما من خلال الصحافة النسوية والمنتديات – الصالونات – الأدبية والفكرية التي ادارتها وحرّكتها المناضلات النسوية.
ادعوكم جميعا على قراءة هذا الكتاب، لان في فهم التاريخ الكثير من العبر التي يمكن ان تنير لنا طرق المستقبل. فإليكم في ما يلي بعض العبر التي استخلصتها من قراءتي للكتاب ومن تجربتي الخاصة في النضال من اجل حقوق الانسان ومن ضمنها حقوق المرأة:
أولا: يعلّمنا التاريخ أهمية العمل التراكمي والصبر والعناد على المدى الطويل في المواضيع النهضوية الإصلاحية كمثل مسألة المساواة بين المرأة والرجل، وذلك على قاعدة مقولة "زرعوا (زرعن) فأكلنا ... نزرع فيأكلوا".
وبالعودة الى قضايا المرأة التي ناضلت من اجلها الرائدات الاولات، يمكن ان نلاحظ بان الكثير منها قد تحقق، وبقي أيضا الكثير لنستمر في النضال من اجل تحقيقه: فلقد نجحت هذه الرائدات الى حد كبير في اثارة ومواجهة آفات زمنهن، وكل زمان،
- لكسر عزلة المرأة الاجتماعية،
- وتأمين حقها بالتعليم
- ودخول معترك العمل في جميع المجالات
- مواجهة الموروثات والمعتقدات الذكورية الشعبية الراسخة.
- وإلغاء جريمة الشرف
- وحيازة الحق في الانتخاب والترشّح
ويبقى الكثير علينا الاستمرار لتحقيقه من إصلاحات ومن تغيير ضروري، لا سيما بالنسبة الى المسائل التالية:
- تفعيل مشاركة المرأة في الحياة السياسية.
- الغاء جميع اشكال العنف ضد المرأة.
- المساواة في قوانين الأحوال الشخصية (بما فيه مسألة حماية القاصرات من الزواج المبكر).
- تطوير الفانون اللبناني لجهة منح المرأة الجنسية لأولادها
- الاستمرار في مواجهة الموروثات والمعتقدات الذكورية الشعبية الراسخة، والابعاد الدينية والمذهبية، او الثقافات التي تأخذ لبوس الدين وتتحجج به لإبقاء المرأة في حالة من اللامساواة. وقد لفتني مدى أهمية مسألة النقاب والحجاب في الزمن الذي تناوله الكتاب لا سيما في الأثر الكبير الذي ركته المناضلة النهضوية عنبرة سلام التي عبّرت رمزيا عن نضالها من خلال إزالة النقاب عن وجهها.
ثانيا: يعلّمنا التاريخ أهمية الدور التي يلعبه الافراد في النضال من اجل تطور الثقافة المجتمعية، دون اهمال ضرورة العمل المشترك
الذي كان بدأ في "مؤتمر بيروت النسائي في العام ١٩٢٨"
واستمر في مسار أدى الى مأسسة هذا النضال ضمن جمعيات ومؤسسات تزيد من زخمه، وقد تمثل في العدد الكبير للجمعيات التي نشأت بعد العام ١٩٢٨
وقد تكللت هذه الجهود في مأسسة النضال النسوي باتفاقية الأمم المتحدة لإلغاء جميع اشكال التمييز ضد المرأة (سيداو) التي دخلت حيز التنفيذ في العام ١٩٨١ وآليات متابعتها وتنفيذها، وقد تفعلت في لبنان عبر تشكيل "الهيئة الوطنية لشؤون المرأة اللبنانية" بقانون في العام ١٩٩٨ وقد اعيد تعيين أعضائها الجدد في الاجتماع الأول للحكومة.
وبالعودة الى أهمية الدور الذي يلعبه الافراد في عمل الجماعات، لا بد من التأكيد على ان هذه القوانين والمؤسسات، ليست فعاله الا بقدر فعالية ونشاط المناضلات والمناضلين العاملين في سبيل تطبيقها الدفاع عنها وتعزيزها.
ثالثا: يعلّمنا التاريخ أهمية الدور الذي لعبتة وما زالت تلعبه المرأة في النضال من اجل تحقيق أهدافها، دون اهمال دور الرجل على أساس ان حقوق المرأة في المساواة وفي الغاء جميع اشكال التمييز ضدها هي مسألة تعني المجتمع برمته رجالا ونساءا.
وقد ورد في الكتاب ذكر عدد من الرجال ساهموا في مساعدة الرائدات النسويات وفي النضال في سبيل قضاياها مثل بطرس البستاني في كتابه "تعليم النساء" الصادر في العام ١٨٤٩ وقاسم امين في مجلة "المرأة الجديدة" الصادرة في العام ١٩٠١، واول صحيفة نسوية لبنانية في بيروت عام ١٩٠٩ بفضل جرجي نقولا باز، نصير المرأة. وقد اعجبت بشكل خاص بقصة مجلة "مرآة الحسناء" التي أسسها في القاهرة سليم سركيس في العام ١٨٩٦ وكتب تحت اسم مستعار نسوي هو "مريم مزهر". لذلك ادعو الكاتبة والباحثة ليليان ان تعمل على كتاب جديد يكون عنوانه ومضمونه "الرجال الرائدون في قضايا المرأة"!!.
السيدات والسادة الكرام،
لا بد لقضايا المرأة من ان تصل الى خواتيمها المرجوة في استمرار عمل السيدات المناضلات، على ان ينضم إليهن عدد أكبر أيضا من الرجال المناضلين لان قضايا المرأة هي قضايا اجتماعية وقانونية محقة.
كما ادعو المرأة في هذا العصر ان تبتعد هي أيضا عن الصورة النمطية الجديدة التي تسعى لان تحصر المرأة في مواضيع حقوقها بالذات او المسائل ذات الطابع الاجتماعي والعائلي والثقافي (كما في زمن رائدات النهضة)، لتنافس الرجل في جميع المواضيع الاقتصادية والقانونية والمالية والأمنية والسياسية.
وفي الختام، ان هذا الكتاب الذي نحتفي به فيه اليوم، قصة كيف ان الحقوق، لا سيما في المساواة بين المرأة والرجل، ليست رفاهية او هبة تمنح، بل حق ينتزع بالنضال والإرادة، وضرورة لمستقبل اكثر عدالة وانصافا للجميع.